أركان الورد
أي هذا مبحث بيان أركان هذا الورد الشريف، والمرادُ بالأركان الأذكارُ التي قام منها، وهي الاستغفار المزيل للأدرانِ(1)، والصلاةُ على سيد معدِّ وعدنان، والتوحيد والتهليل لمولانا العظيم الملك والسلطان، قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى :
أركانُهُ أستَغفِرُ الله مِائة |
وصَلِّ مِثلَهَا عَلى خَيْرِ الفِئة
|
وَكَونُ ذِي الصَّلاةِ بالفَريـدةِ |
مُفـَضَّلٌ برُتـبٍ عَديدَةِ |
وغَـيرُها يَكفيهـمُ والعَجـبُ |
مِمَّن رأى الفَضلَ وعَنْهُ يرغـبُِ |
وهلِّلَنْ مِائةً ولْتَختـمِ |
بِنسبَة الأرْسالِ لِلمُعظَّمِ |
(أركانه)، (الفئة)، (الفريدة)، (و غيرها)، (يرغب)، (التهليل)، (المعظم).
وأراد رَحِمَهُ اللهُ تعالى بما أشار إليه في هذه الأبيات بيان حقيقة هذا الورد الشريف، فبيَّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه مبنيٌّ من ثلاثة أركان:
أولها
الاستغفارُ
مائة
مرةٍ،
الثاني
من
الأركان
التي
ابتني
منها
هذا
الورد
الشريف
الصلاة
على
النبي
مائة
مرةٍ
أيضاً
الركن
الثالث
من
هذه
الأركان
التي
ابتني
عليها
هذا
الوردُ
العظيم الشأن
«لا
إلَه
إلاَّ
الله»
مائة
مرةٍ.
و لما كانت هذه الأركانُ الثلاثة هي الوردُ الأصليُّ في طريقنا، بمعنى أنه الأصلُ في الدخول في الطريق، فلا يمكن الدخول فيها بدونه، و غيره من الأذكار اللازمة وغيرها تابعة له أتى الناظم بما يفيد ذلك، فقال :
فهذِه الثَّلاثـةُ الأركـانَ |
لا بُدَّ أنْ يَقرأها الإنسانُ |
و الوجه
في
هذا
الترتيب
هو
مناسبةُ
حال
السالك،
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى :
ولْتقرَأن آخِرَ اليَـقطين |
مِنْ بَعدِ كُلِّ مائةٍ في الحِينِ |
آخر سورة اليقطين هو قوله سبحانه وتعالى: [سُبْحَٰـنَ رَبِّكَ رَبِّ اُلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلٰمٌ عَلَى اُلْمُرْسَلِينَ وَاُلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اُلْعَٰـلَمِينَ] (الصفات: 180-182 ).
و أشار بهذا إلى ما عليه عملُ بعض الأصحاب وهو ختمُ كل مائةٍ من المثين الثلاثة بالآية الكريمة، وهذا على طريق الندْبِ والكمال وليس بلازمٍ، وإن كان عليه أهلُ الصحراء الشرقية، فليس عليه فاس وما والاها، وغاية الأمر فيه أنه عندنا بمنزلة المقاصد، فكما أن المقاصدَ فيها ما تقدْم من الاستشعار، فكذلك هذا فيه استشعار إقرارٍ بفضل الله تعالى وإنعامه عليه حيث ارتضاه لهذا العملو ووفَّقه إليه وأعانَه على الإتيان به، ولا يخفى ما فيه وخصوصاً في هذه الطريق التي هي طريقُ شكر كما علم ذلك.
ثم قال رحمه الله :
وابْنِ علَى اليَقينِ إن شكَكـتَ |
واستَغفِرن مائَةَ إن كمّلتَ |
بنَيَّةِ الجَـبرِ لِذلك الخَلَلْ |
ويُجبرُ الحضُورَ مِـنْ كُـلِّ عَمـلْ |
في الكونِ مِن جَوهـرة الكمـالِ |
ثَلاثُ مَرَّاتٍ لِكـلِّ تالِ |
ومَن يُنكـسْ فِيـهِ سَهـواً حَبَـرا |
إكَمَنْ
يَزذ سَهْواً وإلا خسِـرا |
(الشك)، (إن كملتْ)، (بنية الجبر)، (الخلل)، (الحضور)، (من كلِّ عمل)، (في الكون)، (الكون)، (ثلاث مرات)، (التالي).
وأشار في هذه الأبيات إلى أربع مسائل :
(الأولى)
مسألة
من
شكَّ
في
بعض
الأعداد
هل
استوفاه
أو
لا؟
(المسألة
الثانية)
مسألة
من
ترك
الحضور
في
الورد
أو
غيره
(المسألة
الثالثة)
من
ينكس
في
الأركان
سهواً،
(المسألة
الرابعة)
مسألة
من
يزيدُ
في
الورد
شيئاً
***
الاستغفارُ
الصلاة
على
النبي
(الثاني)
من
الأركان
التي
ابتني
منها
هذا
الورد
الشريف
الصلاة
على
النبي
مائة
مرةٍ
أيضاً
بأي
صيغةٍ
من
صيغ
الصلواتِ،
لكن
كونها
بالياقوتة
الفريدة
وهي
صلاح
الفاتحِ
لما
أغلق
أفضلُ
بما
لا
يكاد
ينحصرُ
من
الرتب
العديدة.
وسيأتي
بيانُ
ما
يشير
إلى
بعض
فضلها
الباهر
قريباً
إن
شاء
الله
تعالى.
ولهذا
تعجَّب
الناظم
رَحِمَهُ اللهُ
تعالى
ممن
يرغَبُ
عنها(1)
إلى
غيرها
بعد
علمه
بذلك
الفضل
العظيم.
ولهذا
أيضاً
صارَ
المتأهِّلون
لتلقين
هذا
الورد
الشريف
لا
يعرجون
على
ذكرِ
غيرِها
من
الصلوات
لمن
لقَّنوه،
بل
يلقِّنوه
صلاة
الفاتح
فقط،
مقتصرينَ
له
عليها،
حتى
إن
كثيراً
من
الناس
يعتقدون
أن
غيرها
لا
يجزىء
عنها.
وليس
ذلك
مما
يفعلُه
من
المقدمين
افتياتاً(2)
على
الشيخ
،
وإنَّما
هو
من
كمال
الإيمان
والتصديق
بفضلها
العظيم
الذي
من
أجله
صار
غيرُها
من
حَيّزِ
ما
لا
يخطرُ
ببالهم
حالَ
التلقين،
وإن
كان
الأحسنُ
تبيين
الأمر
على
ما
هو
عليه
على
حسب
ما
في
"جواهر
المعاني"
من
الترتيب.
ومن
بركات
الشيخ
الظاهرة،
وآثار
أسرار
همَّته
الباهرةِ،
لا
تجد
أحداً
من
الآخذين
للورد
تسخُو
نفسُه
بأن
يعوض
عنها
غيرها
في
كلِّ
حال،
ولو
في
حال
المرض
وتزاحم
الأشغال،
وكثيراً
ما
نذكر
لبعض
المرضى
والمسافرين
ما
في
بعض
الإجازات
الموجودة
بأيدينا
الآن
بخطِّ
الخليفة
المعظم
سيدي
أبي
الحسن
علي
حرازم(3)،
فلا
يقنعه ذلك
ونعلم
من
حاله
أنه
لا
يتركُها
بحال،
وذلك
لا
محالة
من
سريان
سرِّ
الإذن
من
الآذن
للمأذون
له.
وقد
قدمنا
عن
بعض
الخاصة
من
أصحاب
سيدنا
أنه
كان
يقول
فيها:
«هذه
الصلاةُ
فيها
سرُّ
الطريق»
اهـ.
وبالتحقيق
أنه
لا
يعدلُ
عنها
إلى
غيرِها
إلا
في
حقّ
من
لم
يحفظها
أو
لعارضِ
شغلٍ،
ونحوه
مما
يلجىء
إلى
التخفيف.
ونص ما في الإجازة السابق ذكرها: «وصلاة الفاتح لمن يحفظها، ومن لم يحفظ فليقل: «اللهمَّ صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله»، ومن كان له شغل وأراد التخفيف في الورد فليجعلْ مكانَ صلاة الفاتح لما أغلق: «اللهمَّ صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله»، وإلا فصلاةُ الفاتح لما أغلق لا معدلَ عنها»، اهـ بلفظه من خط السيد المذكور مباشرة.
وفي "جواهر المعاني" أن ذلك باجتهاد الملقِّن، يعني أنه يلقِّن كلّ واحدٍ ما يناسب استعدادَه من صيغ الصلوات، فراجعْ لفظه فيه.
ومنه أخذ صاحب "ميزاب الرحمة الربانية" ما اعتمده في ذلك في كتابه المذكور، شكر الله سعيه في ذلك وجزاه خيراً على ما أفاده هنالك، وإن كان قد يقال: إنَّ صلاة الفاتح مناسبةٌ لحالِ المريد في سائرالمقامات والمنازل، وقد قدمنا الإلمام بما يفيد ذلك. وربما ألمَّ به صاحبُ "الميزاب" نفسه وذلك في الطريقة الثالثة، والله أعلم.
(2) افتياتاً: مصدر الفعل: افتاتَ في الأمر: استَبدَّ به ولم يستشر من له الرأي فيه، وافتات الكلام: اختلقَه، ويقال : افتات عليه القول: افتراه عليه. وفعله الثلاثي : فات.رَغِبَ عن الشيء: زهد فيه وابتعد عنه، وضدُّه: رغب في الشيء: إذا أقبل عليه.
(3)
علي حرازم هو تلميذ التجاني،
وتقدمت ترجمته.
لا إلَه إلاَّ الله
الركن
الثالث
من
هذه
الأركان
التي
ابتني
عليها
هذا
الوردُ
العظيم
الشأن
«لا
إلَه
إلاَّ
الله»
مائة
مرةٍ.
يقول
في
الموفية
للمائة
سيدنا
«محمد
رسول
الله»
وعلى
آله
وهو
معنى
قوله
وليختم
بنسبة
الأرسال
للمعظَّم
،
ولا
بدَّ
من
الختم
بهذا
وإن
زاد
]إِنَّ
اُللَّهَ وَ مَلٰئِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى اُلنَّبِيِّ
ۚ[
(الأحزاب
الآية
56)
الآية،
وختم
بالصلاةِ
عليه
فهو
أحسنُ
وأحسن،
وعليه
عملُ
جلِّ
م
نعرِفُه
من
الأصحاب.
وقد
نصَّ
أهل
التحقيق
على
أنه
ينبغي
للمؤمن
في
كل
ذكرٍ
من
أذكار
الله
تعالى
أن
لا
يغفلَ
فيه
عن
ذكر
النبيّ
،
إما
بأن
يصلِّي
عليه
أثره،
أو
يقرَّ
برسالته
مع
الصلاة
عليه
،
أو
يأتي
بنحو
ذلك
مما
يؤذن
بتعظيمه
والتمسُّك
بأذياله
إذ
هو
الباب
الأعظم،
والدليلُ
الأكرم،
فمَنْ
غفِلَ
عنه
فقد
أخطأ
الطريق
المستقيم،
والنهجَ
الواضحَ
القويم،
ولا
بدْ
من
التحفُّظ
والتحرُّز
عما
يجري
على
ألسنة
العامة
من
اللحن(1)
في
هذه
الكلمة
المشرفة
بغاية
الجهد،
فيظهر
مدلاً
بقدْرِ
ما
يتحقق
فيها
معنى
فيها
معنى
النفي،
من
غير
أن
يخرج
في
ذلك
عن
القدر المضبوط
في
ذلك
عند
المقرئين،
وكذلك
يظهر
أيضاً
همزة
القطع
من
«إلَه»،
وكذلك
أيضاً
همزة
«إلاّ»
وتشديد
«لام
الألف»
منها،
وتفخيم
اسم
الجلالة
الأعظم،
والله
الموفق
سبحانه.
الوجه في هذا الترتيب هو مناسبةُ حال السالك
الوجه
في
هذا
الترتيب
هو
مناسبةُ
حال
السالك،
وذلك
لأن
تقديم
الاستغفار
تطهيرُ
الباطن
من
أدرانِ
المعاصي
وسائر
المخالفات،
ليتهيَّأ
للتحلية
بما
ينتجه
له
غير
الاستغفار
هو
الصلاة
على
النبيّ
،
والهيللة
الشريفة.
وفي
تقديم
الصلاة
على
النبي
استنارة
الباطن
وكنس
بقايا
الأدران
ومَحْو
ظلمات
ليتهيأ
لحمل
ما
يرد
عليه
من
أسرار
الحقائق
التوحيدية،
وأنوارِ
المعارف
المفاضة
عليه
من
الحضرة
الفردية
الصمدية.
ومعنى
«ناصر
الحق
بالحق»:
أنه
هو
القائم
بنصر
الله
تعالى
بالله
غير
مكترث
بسواه،
وهو
الناصرُ
لدين
الله
تعالى
الملك
العدل،
بالحق
والجد
لا
بالباطل
والهزل
؛
ومعنى
«الهادي
إلى
صراطك
المستقيم»
أنه
الهادي
إلى
طريق
الفلاح
والمرشِدُ
إلى
سبيل
النجاح،
و(الآلُ)
في
مقام
الدعاء
جميعُ
أمَّته،
لكن
لا
بد
من
لحْظِ
آله
بمزيدِ
تعظيمٍ
وتشريفٍ
وتكريم،
كما
لا
يخفى
على
ذي
العقل
السليم،
إذ
المقامُ
مقام
تعلُّق
به
وتشبُّث
بأذيالِه،
فلا
بد
فيه
بعد
التعميم
بجميع
أمته
من
التخصيص
لآلِه،
رزَقَنا
الله
محبَّتهم،
وأعظَم
في
قلوبنا
حرمتهم
بمنِّه
وكرمه
آمين.
وقوله: «حق قدره ومقداره العظيم» معناه أن المصلي طلبَ من الله تعالى أن يصلي على حبيبه الأعظم وصفِيِّه الأكرم، الصلاة التي يستحقُّها ما خصَّه به من عظم القدر والمقدار ولديه، إذ لا يعرفُ ذلك ولا يعلمه حقيقةً أحدٌ ممن توجَّه الزمرُ له بالصلاة والسلام عليه فهو كما في بعض الروايات عدد كذا، وكما في قولنا: «سبحان الله ملء كذا وزنة كذا» وقد علمتَ قولَ أهل التحقيق في مثل ذلك أن اللاَّئق بالفضْلِ والكرم الذاتي هو أن يضاعَفَ لذاكرِ تلك الأذكار الثوابُ على وفق ذلك، وبه تعرف أن فضل هذه الصلاة لا يتقدَّر بمقدارِ، إذ لا يحيطُ علماً بقدر هذا النبيّ المصطفى المختار، إلا المولى الكريم الذي يخلقُ ما يشاء ويختار، فهي من الأذكار الجامعة، بل من غُرَرها اللاَّمعة.
وقد قال ابن عطاء
[تنبيه]
في
قوله
«حق
قدره
ومقداره
العظيم»
إشعارٌ
بما
تقدَّم
أنه
يلاحظ
المصلي
عليه
،
من
أنه
إَّما
طلبَ
الصلاة
من
الله
تعالى
على
نبيِّه
لعِلْمِه
بعجْزه
عن
استيفاء
ما
يجبُ
له
في
ذلك،
إذ
لا
يعلمُه
حقيقةً
غيرُ
ربِّه
جلَّ
وعلا
حسبما
يفيده
تعليمُه
لنا
كيف
نصلِّي
عليه،
وهذا
أحدُ
أوجه
التربية
المندرجة
في
هذه
الصلاة،
فهي
لمن
تأمَّلها
بعين
بصيرةٍ
ذكرٌ
للربِّ
الجليل
الأكرم،
وصلاةٌ
على
حبيبه
الأعظم،
ومدحٌ
لجنابه
الأعزِّ
الأفخم،
وتربيةٌ
وإرشاد
للطريق
الواضح
الأقوم،
فقرَّ
عيناً
بما
مَنَحك
فيها
مولاك،
واسْأله
مع
الأنفاس
واللحظات
أن
يتولَّى
عنك
بفضله
وكرمه
أداء
الشكر
على
ما
أولاك.
اللهمَّ
لك
الحمدُ
يا
مولانا،
لا
نحصي
ثناءً
عليكَ
ولا
يوافي
نعمك
ويكافي
مزيدَك
إلا
ما
كان
منك
إليك(3).
وأما معنى الركن الثالث وهو الكلمةُ المشرَّفة، فلا بدّ أن نختمَ بما تيسَّر من الكلام فيه القول في معاني هذه الأركان، جاءَ أن يختم الله لنا بها ويبهجُ بأنوارِها وجُوهنا في عَرَصات(4) القيامة وحظائرِ الجنان، مع جميع الأحباب والعشائر والإخوان؛ فإنّه المتفضِّل المنان الواسع الجود والإحسان، فنقولُ، وعلى الله قصد السبيل، وهو المستعان :
قد علمتَ ممَّا تقدَّم أن من الشروطِ الكمالية الغوالي التي تتعلَّق بها أهلُ الهمم العوالي التدبير لمعنى الذكْرِ بقدْرِ الإمكان، إذ بذلك تُجتنى الثمرةُ المقصودةُ في هذا الميدان، ويتأكَّد الأمرُ في هذه الكلمة الشريفة بخصوصها أكثر. أما في حقِّ الخاصَّة وهم السالكون الصادقون المصدِّقون فلأن ثمرتها المقصودة منها في هذا البساط هو التحلي والتخلي، وأما في حق العامة فلما نصَّ عليه العلماء من أن من لم يفهمْ معناها لا ينتفع بها في الإنقاذ من الخلود في النار اهـ. وذلك، أعني فهم معناها، متوقِّفٌ على فهم معنى ألفاظ الذكر، ورسوخه في الذهن وجعله نصبَ عينِ الفكر، ولا بد في ذلك من التعليم وأخذه عن أهليه من طريق المذاكرة والتفهيم، والاستعانة في ذلك بهمَّةِ الشيخ المُلْقَى إليه قيادُ التسليم(5)، مع اللجأ في ذلك، والاضطرار فيه إلى فضل المولى الكريم، البر الرؤوف الرحيم.
فأما تفسير معنى هذه الكلمة فلنا فيه مسلكان :
المسلك
الأول
هو
الذي
عليه
أهل
السنة
من
محققي
المتكلمين
.
وحاصلُ
معناها
عندنا
على
هذا
المسلك
إثبات
الألوهية
واستحقاق
العبودية
لمولانا
عزَّ
وجل،
ونفي
ذلك
عمن
سواه
تبارك
وتعالى؛
فإذا
قال
العبد:
«لا
إلَه
إلا
الله»
فقد
نفى
الألوهية
واستحقاق
العبودية
عن
غير
الله
تعالى،
وأثبتها
له
وحدَه
جلَّ
وعلا،
فكأنه
قال:
لا
مسْتحِقٌ
للعبودية
له
موجوداً
وفي
الوجود
إلا
الله
الفرد،
الذي
هو
خالق
العالم
تبارك
وتعالى
؛
ويلاحِظُ
الذاكرُ
بعد
رسوخ
هذا
المعنى
في
ذهنه
أن
الإلَه
الحقّ
المستحقُّ
لأن
يعبَدَ
دونَ
غيرِه
لا
يكون
إلاَّ
مستغنياً
عن
كلِّ
ما
سواه،
مفتقراً
إليه
كلَّ
ما
عداه،
ومن
كان
كذلك
لا
يكونُ
إلا
متَّصفاً
بالكمال
منزَّهاً
عن
النقص
ولا
إشكال
حسبما
يعطيه
النظر
الصحيح.
ومن
هنا
تندرجُ
جميعُ
العقائد
السنية
في
الكلمة
المشرفة
على
ما
هو
مبسوطٌ
في
محله
من
كتب
أصول
الدين،
فالمرادُ
من
هذا
التفسير
إبطالُ
الشرك
الجلي
لا
ير،
ويتمكَّن
الذاكر
من
ملاحظة
ذلك
بالتفسير
الأول
الذي
هو
نفي
الألوهية
واستحقاق
العبودية
عن
غير
الله
تعالى،
وإثبات
ذلك
له
وحده
جلَّ
وعلا،
وإن
قدرَ
مع
ذلك
على
ملاحظة
الكمالات
المفصلة
المندرجة
في
الكلمة
المشرفة
فهو
الكمال.
(المسلك الثاني) مسلك العارفين، ومما ذكروه في تفسير هذه الكلمة ما ذكره في «منهاج الخلاص» ونصّه : قال في «مفتاح الفلاح»: ذكر العارفون في تفسير «لا إلَه إلاَّ الله» وجوهاً: أحدُها : قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا إلَه إلا الله معناها : لا نافِعَ ولا ضارَّ ولا معزَّ ولا مدِلَّ ولا معطي ولا مانع إلا الله. ثانيها: لا إلَه يُرْجَى ثوابُه، ويخاف عقابُه، ويؤمَنُ جَوْره، ويؤكل رزقُه، وينزل أمرُه، ويسألُ عفوُه، ولا يحرم فضله إلا الله. قال: وأيضاً لا إلَه إلاّ الله إشارةٌ إلى المعرفة والتوحيد، بلسان الحمد والتحميد للملك الحميد، إذا قال العبد «لا إلَه إلاّ الله» ؛ فمعناه الآلاءُ والنعماء(6)، والتعالي والبقاء، والعظمة والسناء، والعزُّ والثناء، والسخط والرضاء، الله الذي هو رب العالمين، وخالق الأولين والآخرين، وديان يوم الدين اهـ.
والحاصلُ أن المتكلِّم يعتقد في الكلمة الطيبة أنها سِيقَتْ لإثبات الألوهية واستحقاق العبودية لله تعالى، ولنفي ذلك عن كلِّ ما سواه سبحانه ويعتقد الكمالات المفصّل المندرجة فيها بحسب ما أداه إليه النظر والاستدلال. وأما العارفُ فهو مع اعتقاده ما مرَّ فيها ومع اعتقاده تلك الكمالات المفصلة أيضاً يزيدُ على ذلك، بأن يستنشق ذلك في الكلمة الطيبة عندما يذكرها، ويجعل ذلك معناها الأصلي، لا أنه يعتقده من خارج، بما يؤدي إليه الاستدلالا كالمتكلم ثم يوسع الدائرة، أعني العارف، لما خصَّ به من سعة النظر وانشراح الصدر ومزيد الحضور واليقظة، فإذا قال : «لا إلَه إلا الله» فهو يقول: لا مستحق للعبادة، ولا خالق ولا رازق، ولا نافع ولا ضار، ولا مثيب ولا معاقب، ولا معين ولا هادي إلا الله تعالى، وبذلك يحصلُ له التوحيد المطلق ويذهب عنه الشركُ الخفيُّ والجلي لأنه يثبت بها أن المستحق للعبادة هو الله تعالى لا غير، وأنه لا نافع ولا ضار ولا رازق ولا معين ولا ناصر غير الله تعالى، لأنه يتحقق أن ما يبرزُ من نفع أو ضر في الأكوان كالعطاء والنصرة، والإعانة من الناس، والري من الماء، والشبع من الطعام، والتوقي باللباس، وسائر أنواع المنافع الموجودة في الظاهر من الأكوان، وكل ما يقابلُ ذلك من المضارِّ والآلام، جميع ذلك من الله تعالى، وإنما تلك الأشياء الموجودة منها ذلك ظروفٌ وأسباب عادية يبرز الله تعالى ما شاء من ذلك عندما لا بها، إلى آخر ما قرَّروه في هذا البساط وحرروه في هذا المناط(7).وإذ قد لاحَ لك مما أومأنا إليه في المسلكَيْن من تفسير الكلمة الطيبة عند أهل الحقٍّ، من علماء السنة والعارفين، ما يشيرُ إلى معناها فلا يصعبُ عليك ملاحظته حالَ الذكر بحول الله تعالى ؛ ثم إن عَسُر عليك الجمعُ بين ملاحظة معنى المسلكين معاً فاقتصِرْ على أيِّهما رسَخَ في ذهنك، إذ كل منهما بالمداومة على العمل عليه يوصلُ إلى الآخر بلا شك، وإنَّما أومأتُ لك في المسلكين إلى طريق كل من الفريقين لتحرصَ بعد العلم بأن الجميع على هدى من ربِّهم، على أن تحصل الكمالات التوحيدية عندك حصول تصديق وعلم وفق ما هو حال المتكلمين، ثم تحصل عندك حصول ذَوْقٍ وحالٍ كما هو حالُ العارفين، وهذا الثاني ثمرةُ الأول، لقول أهل الطريق : العلم مقدِّمة نتيجتها الحالُ، والحالُ مقدِّمة نتيجتها العمل، والكلامُ في هذا المقام واسعُ الذيلِ(8) وغرضُنا الإيماءُ إلى معنى هذه الكلمة الطيبة، ويكفي المريدَ أن يتعلَّق من ذلك بهذا القدر ليستحضرَ منه ما قدَرَ عليه حالَ الذكر، ومن كان ذا مَلكةٍ وقابلية فقد فتَحْنا له الباب وهو بملكته إن وفَّقه الله تعالى يرفَع عن وجوهِ مخبئاته الجلبابَ، ويصلُ أسانيدَ الأخبار ولا يكون له مع غيرِ الغاية قرار، والله يسلكُ بنا مسالكَ من سبقتْ له من ربه الغاية، ويعرف الحق حق صراحةٍ لا كناية، ويأخذ بأيدينا جميعاً أخْذَ الحنان والعطف، ويلحقنا في الأحوال كلِّها أردية الستر والعفو واللطف، بمنِّه وكرمه آمين.
(2)
عن أم المؤمنين جويرية بنت
الحارث رضي الله عنها أن
النبي r خرج من عندها بكرة
حين صلى الصبح وهي في مسجدها،
ثم رجع بعد أن أضحى وهي
جالسة، فقال: «ما زلتِ على
الحال التي فارقتك عليها؟».
قالت : نعم. فقال النبي r
«لقد قلت بعدك أربع كلمات
ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت
منذ اليوم لوزنتهنَّ : سبحان
الله وبحمده عدد خلقه، ورضى
نفسه، وزنة عرشه، ومداد
كلماته». رواه مسلم برقم
(2726.(
(3)انظر حديث «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك«.
رواه مسلم في (الصلاة: 222)، وأبو داود في (الصلاة: 148)، والترمذي في (الدعوات: 75)، وابن ماجه في (الدعاء : 3)، عن عائشة رضي الله عنهما.
(4) العَرَصات : الساحات.
(5) الكلام كناية عن الطاعة والولاء.
(6) آلاء الله : أنعامه
(7) المناط : من الفعل (ناط) بمعنى : علَّق.
(8) واسع الذيل : كناية عن طوله، وأنه يحتمل الكثير من الإسهاب والشرح.
المسألة الأولى
(الأولى) مسألة من شكَّ في بعض الأعداد هل استوفاه أو لا؟ فأخبرَ رحمه الله تعالى أن عليه أن يبني على اليقين، ثم يستغفرُ الله تعالى يعني بصيغة الوِرْدِ مائة مرَّةٍ بنية الجبْرِ لذلك وذلك بعد أن يكمل الورد، يعني المئين الثلاث برمتها.
المسألة
الثانية
لكلِّ شيءٍ شَرَفاً وإن شرفَ
المجالسِ ما استُقْبِلَ به القبلة
(المسألة
الثانية)
مسألة
من
ترك
الحضور
في
الورد
أو
غيره
من
أعمال
الطاعات
فرضا
كانت
أو
نفلاً،
فأخبرَ
رَحِمَهُ اللهُ
تعالى
أن
عليه
أن
يذكر
بعده
أي
بأثره
«جوهرة
الكمال»
ثلاث
مرَّات
بنية
الجبْرِ،
لما
أخلَّ
به
من
استعمال
الخضور
الذي
هو
روحُ
الأعمال
كلها،
يعني
ويكون
ذكر
الجوهرة
بالحضور:
أي
يستعملُ
فيه
يقدِرُ
عليه
من
الحضور،
هكا
بلغنا
عن
الشيخ
،
وهذا
الأمرُ
الذي
هو
جبرُ
الحضور
بالجوهرة
خاصٌّ
بأهلِ
هذه
الطريق،
إذ
لا
يوجدُ
الإذنُ
في
الجوهرة
من
غيرها
وهو
معنى
قوله
: «لكلِّ
تالٍ»
حسبما
سبق
المسألة الثالثة
(المسألة الثالثة) من ينكس في الأركان سهواً، بأن يقدم الصلاة على النبيّ
المسألة الرابعة
(المسألة الرابعة) مسألة من يزيدُ في الورد شيئاً بأن يزيد في بعض الأركان أو كلّها على المائة، فأخبرَ أن عليه أن يجبَر الخللَ الواقعَ بالزيادة إن كانت سهواً، بأن يأتي بمائة من الاستغفار كما تقدَّم بنية الجبْرِ لذلك، فإنْ كانت الزيادة عمداً فقد بطلَ عليه الوردُ، فقوله: (كمن يزدْ سهواً) مشبه في الحكم بمن ينكس سهواً، يعني فإن كل واحدٍ منهما يجبر خللَه بما ذكر، وقوله: (وإلا خسرا) راجع إليهما معاً فألف «خسرا» ألف تثنية لا أنها لإطلاق القافية فافهم، ولعدم فهْمِ بعض النساخ المسائل المشار إليها في هذه الأبيات تصرّف فيها فحرَّفها عن قصدِ الناظم، والله أعلم
أركانه
الضميرُ في (أركانه) للورد اللازم لكلِّ من دَخَل الطريقة بحيث لا يصحُّ الدخول فيها ونسبتُه إلى أهلها بدونه
الفئة
و(الفئة) الجماعة، وأراد به هنا جماعة الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إذ هم فئته وحزبُه
المعظم
و(المعظم):
المراد
به
صلى الله عليه و سلم،
فالكلامُ
على
تقدير
موصوفٍ
أي
للرسول
المعظَّم
على
سائر
الأنبياء
والمرسلين،
صلى
الله
عليه
وعليهم
أجمعين
×
الشك
المراد بـ (الشك) هنا : الشكُّ الحاصل في بعض الأعماد كأن يشكَّ في عددِ استغفار مثلاً هل كمل المائة أو بقي له واحدة أو اثنتان أو نحو ذلك×
إن كملتْ
وقوله: (إن كملتْ) أي فرغتَ من ذكر الأركان الثلاثة×
التالي
والمراد بـ (التالي) التابع، والمراد لكل تابع لطريق الشيخ t، فلا يدخل هنا غيره، لأن البساط بساطُ اختصاص، وهو مختصٌّ بالخواص فافهم.

