التعريف بالشيخ | ما اتفق له بأبي سمغون من الفتح الأكبر
من الفتح الأكبر و إذن النبي له بالتلقين
ثم أشار النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى ما اتفق لسيدنا
|
و فتح الله بهذا العامِ |
|
فَتْحاً لِشيخي الكامِل الإمامِ |
|
بأنْ رَأى بالعين عَيْنَ الرَّحمَةِ |
|
يَقْظةً فصارَ عَينَ الأمَّةِ |
|
و قالَ دَعْ كُلَّ شَيوخِك و ذَرْ |
|
أنَا مُربِّيك و شَيخُك الأبَر |
|
و قالَ أنتَ وَارثي و حَسبي |
|
و ولدي حَقّاً بِغيرِ عَتبِ |
|
و كان فتح شيخنا ذي الدِّينِ |
|
بقصرِ الإسعاد أبي سَمغونِ |
(الفتح) تقدَّم أنه يطلق عند أهل هذا الشأن على أمور، و المراد من ذلك هنا ما صوَّره النَّاظم بقوله «بأن رأى...» إلخ، و أي فتح هو لمن أكرمه الله و أسعدَه ففضل به عليه. اللَّهمَّ إن لم نكنْ لرحمتك أهلاً أن ننالها فرحمتك أهلٌ أن تنالنا في سلامة و عافية يا قريب يا مجيب.
و لكونه أجلَّ الفتوح و أعظمها أسند الفعل للإسم الأعظم الجامع الذي هو الله جل و علا. و أكَّد الفعل بالمصدر و الإضافة لقوله «لشيخي» للتشريف. و فيها الإستشعار بكمال التعلق بالشيخ
و وصفه بالكمال و بالإمام لمناسبة المقام، لأن هذا الفتح المذكور هنا لا يكون إلا لمن اتَّصف بأوصاف الكمال و الإمامة على التمام.
قال الشعراني
و (العين) الأولى المعرفة بـ «الـ» الباصرة، و الثانية المضافة إلى الرحمة ذاته
و (اليقظة) ضد المنام،
و (عين الأمة) صدرها و مقدمها و سيدها.
و (العتب) الملام.
و قوله: (ذي الدين) المراد به هنا المتحقق بمقامات الدين الثلاثة: الإسلام و الإيمان و الإحسان، و سائر منازلها منازلة و كشفاً عيانياً.
و أضاف (قصر أبي سمغون للإسعاد) لما حصل فيه لسيدنا
يقول: و في هذا العام الذي انتقل به سيدنا
فلقَّنه
ثم أمره بالإقتصارِ على ما أسداه إليه، و قصر النظر والإستمداد عليه. و من كمال إقباله عليه و اعتنائه به و انعطافه إليه أن قال له: "أنت وارثي"، و قال له: "أنت حبيبي". و سيأتي ذلك بلفظه في فضل الورد إن شاء الله.
و قال له أيضاً: "أنت ولدي حقّاً" ثلاثاً، و قد تقدَّم ذلك في الكلام على نسبه
|
و أذِنَ النَّبيّ للشَّيخ بأنْ |
|
يُلقِّنَ الأنام وِرْدَهُ الحَسَنْ |
|
وَ هْوَ صَلاتُنا على المُختارِ |
|
خَيرِ الأنامِ معَ الاستِغفارِ |
|
ثُمَّ بِرأسِ القَرنِ لهُ تمَّمه |
|
أحْسَنَ تَتمِيم بذكر الهيلَله |
|
فَلاَحت أنوار الهُدى عَليهِ |
|
و بانَت أسرار الرِضا لَديْه |
|
و فاقَ في الخيراتِ كلَّ عارفِ |
|
لَغرفه مِن مَنبعِ المَعارِف |
(أذن له في كذا) أطلق له في فعله، فهو مأذون له. و الفقهاء يحذفون الصلة فيقولون العبد المأذون، إذا أطلق له سيده في التجارة. و يطلق الإذنُ على الأمر أيضا، و يصحُّ قصره هنا كالذي قبله. و يطلق أيضاً على الإرادة، و منه قولهم: "إذا أذن الله في كذا كان"، و لا يستقيم الحمل عليه هنا.
و (التلقين) من لقِنَ الرَّجلُ الشيءَ لقناً فهو لقِنٌ من باب تعب، أي فهِمَه. و يتعدى بالتضعيف إلى ثانٍ فيقال لقَّنته الشيءَ فتلقّنه، إذا أخذه من فيك مشافهةً. و انظر "المصباح".
و (الأنام) تقدَّم معناه فيما سبق من كلام على بعض أبيات النظم. و المراد هنا كل مسلم كان ذكراً أو أنثى، عبداً أو حراً، صغيراً أو كبيراً، طائعاً أو عاصياً، لكن على الشرط المقرر في الملقِّن و الملقَّن.
و (الورد) القدر الموظف من قراءةٍ أو ذكرٍ أو نحو ذلك، و تقدم و سيأتي أيضاً.
و وصَفَه بالحسن لاشتماله من وجوه الحسن و الكمال على الغاية القصوى، حسبما سيتبين عند الكلام في ترتيب أذكاره، و بيان صيغها و ما يتعلّق بذلك عند تعرض النَّاظم له إن شاء الله.
و (القرن) مائة سنة. و «الـ» فيه للعهد: أي ثم برأس المائة المذكورة و هي الثانية بعد ألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام.
و (تممه) إلى آخر الكلمة المشرفة
و (لاحت) أشرقت.
والمراد بـ (أنوار الهدى) هنا الأنوار التي تُفاض على العبدِ من حضرة القدس بسبب تقربه إلى الله تعالى بالنوافل، التي أكبرها فائدة و أعظمها خطراً و عائدة ذكر الله تعالى على الوجه الأكمل. فيكسبه فيضانها حالةً لم يكن يعهدُها من نفسه من القوة على الذكر، و الحنين إلى الوقوف بباب الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى.
و (بانت) ظهرت،
و المراد بأسرار الرضا هنا ما ينتهي إليه فيضانُ هذه الأنوار من القوة على الإستغراق التام في الذكر آناءَ اللَّيل و أطراف النَّهار. فيكسبه حالةً لم يعهدْها قبلُ من نفسه من الرضا و الصَّبر و التوكل و اطمئنان القلب بذكر الله تعالى. و لا شك أن العبد عند ذلك يصير هادِياً مهدِياً راضياً مرضياً يستحق أن يكون قدوةً لغيره و إماماً له في مدارج سلوكه و سيره.
و بهذا الذي شرحناه هنا يعرف وجهُ تخصيص النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ إضافة « الأنوار » لـ « الهدى«الـ»، و «الأسرار» لـ «الرضا»، فليتنبه لذلك.
(و فاق) غيرَه في كذا زاد عليه.
و (الخيرات) المراد بها هنا: ما ينتجه ما تقدَّم من أنوار الهدى و أسرار الرضا من الترقيات و التجليات، و ما يفيده ذلك من الرقائق و الدقائق و اللّطائف و أنواع التحف و المنح و الكمالات و المعارف.
و (العارف) المراد به هنا: الولي الواصل
و (الغرف) معروف، و المراد به هنا: التلقي و الإستمداد و الإستفاضة،
و (منبع المعارف) هو النبي
يقول: و في هذا العام الذي انتقل فيه سيدنا
من هذا الوقت الذي حصل له هذا الفتح الفائق و العطف التام من سيد الخلائق تنزل لإفادة الطالبين، و تربية المريدين الراغبين. و تظاهر بالمشيخة الكاملة بين العباد، و صار يقبل من يَرِدُ عليه للإستفادة و الأخذ عنه من سائر البلاد، بعد أن كان شديد التنصُّل من ذلك، كثير الهرب و النفور عمن ينسبه إلى تلك المسالك.
و قد كانت تأتيه الوفودُ و هو بالحضرة التلمسانية، قبل أن يحظى من سيد الوجود بما حظِيَ به من هذه المشاهدة العيانية، فيطلبون منه التلقينَ و الدخول في صحبته على طريق المشيخة المعروفة، فيمنح البعضَ و يلقِّن البعض، لكن على نهج الأخوة في الله تعالى و سبيل الصحبة المألوفة. و يصرح لمن تلقن منه بأن يقول: "إنما نحن أصحاب، و أما المشيخة فلا"، هذا مع كونه
****

