التعريف بالشيخ | محاسن خلقه و خلقه
|
زيَّنَ مَن أنشأهُ و خلَقهْ |
|
بَينَ الأنامِ خلْقَه و خُلُقَهْ |
|
فَكَانَ يُنبىءُ بهاءُ مَنْظرِهْ |
|
لحُسْنه لاَمِحُه عَن مَخْبرِهْ |
|
لشَبَهه بسيِّد العبَادِ |
|
أحسنِ كلِّ حاضرٍ و بادِ |
(زين) فعل بالتضعيف للمبالغة من الزَّيْن: ضد الشين،
و (أنشأه) خلقه،
و (الخلق) التقدير، و من صفاته سبحانه و تعالى: الخالق، و معناه المبدع للشيء، المخترع له على غير مثال سبق اهـ
"قاموس".
و (الأنام) هو هنا كسحاب، و قد تقدَّم عن صاحب
"القاموس" أنه الخلق أو الجنّ و الإنس، أو جميع ما على وجه الأرض. و عن
ابن عباس رضي الله عنهما أنه، أي الأنام، الناس. قال
الصلتاني في "نظم الغريبِ" بعد إيراد ما ذكر في
"القاموس" من المعاني ما نصّه:
| و بَعْضُهُم خَصَّصها بالنَّاسِ |
|
وَ هُوَ ابنُ عبّاسبِلا الْتباسِ |
أي و بعض من فسَّر القرآن العظيم.
و (الخلق) بالفتح عبارة عن الصورة الظاهرة، و بالضم وبضمّتين: عبارة عن الصورة الباطنة،
و (البهاء) الحسن و فعله
«بهو» كسرو و كرضا أيضاً و دعا و سعى اهـ قاله في
"القاموس" ونحوه في
"المصباح"، زاد: "و يكون البهاء حسن الهيئة، و بهاء الله: عظمه" اهـ.
و (المنظر) الوجه،
و (لامحه) من لمحت الشيءَ لمحاً من باب نفع: نظرتُ إليه باختلاس النظر، قاله في
"المصباح"، و على هذا التفسير ربما يكون النَّاظم عبَّر به إيماءً إلى أنه
و (المخبر) الحقيقة الباطنة،
و (الشبه) بالكسر و بالتحريك و كأمير: المثل، و الظاهر أن المراد هنا الشبه محركاً بمعنى المشابهة مخففة للوزن. أي و إنما كان ينبىء بهاء منظره عن حسن مخبره، لحصول الشبه له بسيد العباد
و (الحاضر و البادي) معروفان.يقول: زَيَّنَ المولى جلَّ علاه، الذي أنشأَه و سوَّاه و خَلَقه و براه بين الناس، خَلْقه و صورته الظاهرة كما زيَّن خُلُقَه و سجيَّته الفاخرة. فصار ينبىءُ بهاءُ منظرِه و هيئته المعظمة و حسنه الكامل كلّ من نظر إليه و لمحه بطرْفهِ عما انطوى عليه مخبره من غررِ الفضائل، و ذلك لما حصل له من فضيلة الشبه بنبينا
| تميَّز بالوصفِ الجناني مثل ما | تميَّز بالكوني العيانيِّ مُسْجِلا | |
| له صورةٌ بينَ الأنامِ عليِّةٌ | تُرَى مرةً وُسْطَىٰ و طَوْراً تُرى عَبْلا (1) | |
| على طبقٍ ما لاقته راشحة بما | حوَتْ من جمالٍ أو جلالٍ سقي ذهلا | |
| بياضُ مجلاَها مشوب ٌبحمرةٍ | و قامتُها قدوى و منطِقُها أحْلى | |
| يرى جمهوري الصوتِ أحْسَنَه على | سنا شيبةٍ أبْهىٰ بَهِيٍّ مَشَى حَجْلا | |
| لهُ الجودُ طبعٌ و الفتوةُ دَيْدَنٌ | له، و لنعم القولِ إن طابَقَ الفِعْلا (2) | |
| مهاباً جليلاً ذا حياءٍ وعزَّةٍ | و سحْرِ بيانٍ لا يملُّ إذا يُمْلا |
إلخ ما ذكره في وصفه للشيخ
و أسند النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ التزيين في الخلق و الخلق إلى المولى تبارك و تعالى، لأنه لا اكتساب فيه للعبد. أما الخلق فظاهرٌ، و أما الخلُق فالذي عليه المحقِّقون أن هذه الأخلاق الحميدة جبلية فيمن خصَّه الله بها، و إنَّما المكتسبُ من طريق تزكية النفس و تصفيتها هو قوتها. و استدلُّوا لذلك بأدلَّةٍ ذكروها: منها ما في "صحيح مسلم" أنه
قال سيف الدين الآمدي: "جَمالُ الوجْهِ و حسنُه مما يتمدَّح به لأنه يتيمَّن به ويدلُّ على الخصالِ الممدوحة"، ثم قال – أعني الآمدي: "وقد غلط من توهَّم أنه لا يدخل في مدح العظماء" اهـ.
و مما يشهد له أيضاً حديث: «اطْلُبوا الخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ» و هو كما قاله أهل التحقيق يحتملُ وجُوهاً من التفسير:
- الأول: قيل: معناه اطلبوا الخيرَ عند الحسانِ الوجوه، فإن الخيرَ مقرونٌ بهم.
- الثاني: اطلبوا الخيرَ منهم، فإنَّهم يصدرُ عنهم الخيرُ بإذن الله تعالى، إذ حسنُ الخلْقِ عنوانٌ لحسنِ الخلُق.
- الثالث: اطلبوا الخير عندَهم و منهم، فإن النفسَ تنبسطُ إليهم و تتمتَّع برؤيتهم.
و في الحكمة: "اعتمِدْ بحوائجكَ الصِّباحَ الوجُوه، فإن حسنَ الصورةِ أولُ نعمةٍ" اهـ.
وفي تقديم النَّاظم رَحِمَهُ اللهُ تعالى لهذا خلاف صنيع صاحب "جواهر المعاني" و صاحب اللامية إيماء إلى ما أشار إليه الحديث، ففيه استحثاث للنفوس اللطيفة و الهمم المنيفة على الأخْذِ عن هذا الشيخ الجليل حيث ثَبتَ له ما ذكر من الوصف المحمدي الجميل مع ما له من المجد الأثيل و الحَسَب الأصيل
***
(1) عَبْلا:
إذا أراد
«عَبْلاء»
فهي الصخرة البيضاء الصلبة، وإذا أراد «عبلة»
فهي المرأة التامة الخلْق.
(2) الدَّيْدَنُ: العادة والدأب.
(2) الدَّيْدَنُ: العادة والدأب.

