في الإشارة إلى نبذة من آداب الحضرة العلية
وبعض ما اتَّصف به من ذلك أهل المراتب السنية
اعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين هم صفوةُ الله تعالى من البرية،أكملُ الناس آداباً مع الحضرة المقدسة العلية، وأتم قياماً بحقوقها ووظائفها المرعية، من سائر من عداهم من أهل المراتب السنية، حسبما نطَقَ به القرآن العظيم وأفصحتْ به آياتُ الذكر الحكيم.
قال مولانا جلَّ جلاله فيما خاطبَ به حبيبه المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم « وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم » [القَلَم: الآية4].
قال في "العوارف": قال مجاهد(1): "أي على دينٍ عظيم. والدين مجموع الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة".
وقال الحسن(2): "لأنك لم يؤثر فيك جفاء الخلق مع مطالعة الحق" اهـ. وهذا غايةٌ في كمال أدبه
وقال الجنيد: "لأنه لم يكن له همةٌ في سوى الله تعالى،ولا محالة أن من كان بهذه المثابة كان أجمعَ لمكارم الأخلاق ومحاسن الآدابِ على الوجْه الأكمل".
وقيلفي تفسير هذه الآية الكريمة غير هذا. فقيل: "لأنه
وقد تقدَّم لنا في حقيقة الأدب أنه الجامعُ لمكارم الأخلاق ومحاسن الفعال والخلال، على أحسن ما يكون من وجوه الكمال. والآية الكريمة على مجموع هذا التفسير دالّة على ذلك أتمَّ دلالة وأوضحها.فهي إخبار من الله تعالى بأن حبيبه
وقال مولانا جلَّ عُلاه « مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ(17) »(النّجْم: الآية 17).وفي هذه الآية الكريمة أيضاً إخبارٌ من المولى الكريم الأعظم عن كمال أدبِ حبيبه الأكرم
قال في "العوارف": "وهذه غامضةٌ من غوامض الأدب، اختصَّ بها
ونقلفيها بعدَه عن سهل بن عبد الله(3)
وقالالشيخ محيي الدين
وبالجملة فهذه الآية الكريمة قد دلَّت على ما يضيق عنه نطاقُ التعبير من كمال أدبه
وقد قيل في معنى الآية الكريمة غير هذا مما لا يمكننا في هذه العجالة استيفاؤه.وللمشايخ الكمل
ومن أجمع العبارات وأوعبها في هذا الباب عبارةُ شيخنا قطب الأقطاب
ويكفيهذا القدرُ الذي ذكرناه في هذا المحل مما أشارتْ إليه الآيات القرآنية من كمال أدب نبينا
ومما ذكروه في هذا المقام،من آدابه وآداب غيره من الأنبياء الكرام عليه وعلى جميعهم من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام،آدابهم الظاهرة القولية التي هي رشحة آدابهم الباطنية القلبية.
وذلك مثل ما روي عن نبينا
ومثل قوله سبحانه وتعالى حكايةً عن نبيه أيوب عليه الصلاة والسلام « أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »(الأنبياء: 83).قال الأستاذ أبو علي الدقاق
ومثل قوله تبارك وتعالى حكايةً عن نبيه عيسى
-
[تنبيه]
-
[إلحاق]وفي هذا القدر مما رمنا الإشارة إليه في هذا المطلب كفاية، والله ولي التوفيق والهداية.
(2)هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك. ولد بالمدينة سنة 21هـ، وشب في كنف علي بن أبي طالب، عظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في الحق لومة لائم، وله مع الحجاج مواقف. مات سنة 110هـ. انظر "ميزان الاعتدال": 1/254، و "حلية الأولياء": 2/131، و "ذيل المذيل": 93، و "أمالي المرتضى": 1/106.
(3)سهل بن عبد الله بن يوسف التستري، أبو محمد، أحد أئمة الصوفية وعلمائهم والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات وعيوب الأفعال، له كتاب في تفسير القرآن. مات سنة 283 هـ. انظر "طبقات الصوفية": 206، و "الوفيات": 1/218، و "حلية الأولياء": 10/189. «لسان الميزان»: 5/300.
(4)هو الحديث «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها... إلخ». رواه مسلم في (الفتن: 19)، وأبو داود في (الفتن 1)، والترمذي في (الفتن: 14)، وابن ماجة في (الفتن: 9)..
(5)رواه مسلم في (المسافرين: 139).
[تنبيه]
كثيراً ما يجري في إطلاقات الأكابر كالشيخ محيي الدين
ومن هذه الآداب التي اتصفَ بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واقتدى بهم فيها أتمَّ اقتداءٍ أكابرُ الصحابة الكرام، أخَذَ أهلُ الطريق آدابهم، ومن أنوارهم اقتبسوها، وعلى مذاهبهم المكينة بنوا قواعِدَهم في ذلك وأسَّسوها، فعمروا ظواهِرَهم وبواطنهم بحُسنِ الأدب مع أساتيذهم ومشايخهم، وحافظوا على ذلك بقدر جهدهم واستطاعتهم، فأوصلهم حسن الأدب مع مشايخهم إلى حسنِ الأدب مع الله تعالى ومع رسوله
فأما حسنُ أدبهم مع أساتيذتهم فمن أمثلته التي ينتحي المريد الموفق منحاها وينتهج نهجَها القويم مقتبساً من نورِ سناها ما ذكره في "العوارف" عن أبي منصور المغربي من أنه قيل له رحمه الله تعالى: "كم صحبتَ أبا عثمان؟"، فقال: "خدمتُه لا صحبْته،فالصحبة مع الإخوان، ومع المشايخ الخدمة" اهـ. وهذا ينظر إلى ما روي في بعض الأخبار عن سيدنا العباس(2) عمّنبينا
وأما حسنُ أدبهم مع الحضرة القدسية العلية فمنْه ما ذكروه من آدابهم الفعلية التي هي عنوانُ آداب بواطنهم المطهّرة السنية. ذكر الأستاذ أبو القاسم القشيري
وقال السري السقطي(4)
وذكر عن السري أيضاً
وحكي عن بعض الشيوخ أنه قال: "دخلْتُ مكة، فكنتُ ربما أقعدُ بحذاءِ الكعبة، وربما كنت أستلقي وأمدُّ رجلي، فجاءتني عائشة المكّية فقالت لي: "يا أبا فلان، يقال إنك من أهلِ العلم، لا تجالسه إلا بالأدب وإلا مُحي اسمك من ديوانِ القرب".قال: "وكانتْ من العارفاتِ رضي الله عنها" اهـ. انظر "العوارف".
ومن هذا ما ذكره في "جواهر المعاني" من وصْفِ آداب سيدنا
وانظر ما يشيرُ إلى بعض آدابه
ويكفي من آدابه مع الحضرة العلية أخذه بكمال الإحتياط في الطهارة ثوبية ومكانية وبدنية، وأمره بذلك في جميع العبادات والتوجهات، فعليةً كانت أو قولية، وذلك من الشائع الذائع عنه وعن أصحابه
ويكفي في كمال أدبه مع حضرة الرسول
ويكفي في كمال أدبه مع أولياء الله تعالى حضُّه على تعظيمهم وتوقيرهم أحياءً كانوا أو أمواتاً، وعدم مسامحته في الإستهزاء بهم والإستهانة بقَدْرِهم. وكان ينهى من يسكنُ بجوار واحدٍ منهم أن يمدَّ رجليه إلى جهته ولو أداه ذلك إلى مخالفةِ ما جرَتْ به العادة في نوم الناس في محالِّهم، كأن يجعلَ رأسَه إلى باب البيتِ مثلاً،لا يغفل عن ذلك
وقد أخبرني بعض الأفاضل من أعيانِ أصحابه
هذا، ولو تتبعنا ما نُقِل عن المشايخ
(2) هو عباس بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة، عم النبي ، كان في الجاهلية رئيساً في قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام. شهد مع النبي r بيعة العقبة لما بايعه الأنصار، وكان مشركاً. وكان رسول الله يعظمه ويكرمه بعد إسلامه. مات سنة 32 هـ.
انظر
"أسد
الغابة": 3/60.
(3)
في
"أسد
الغابة":
«كان
أسنّ من رسول الله
بسنتين،
وقيل: بثلاث سنين».
(4)
هو
سري بن المغلس السقطي،
أبو الحسن، من كبار المتصوفة.
بغدادي المولد والوفاة، وهو
أول من تكلم في بغداد بلسان
التوحيد وأحوال الصوفية، وكان
إمام البغداديين وشيخهم في
وقته، وهو خال
الجنيد وأستاذه. مات
سنة 253 هـ
انظر "طبقات الصوفية": 48، و "الوفيات": 1/200، و "صفة الصفوة": 2/209، و "حلية الأولياء": 10/116.
إلحاق
مما ينبغي أن يندرج في هذا المطلب وينساق، ما حكاه في
"العوارف" عن
الشبلي
من قوله: "الإنبساطُ بالقولِ مع إلحاقِ ترْكِ الأدب"، يريدُ رحمه الله تعالى في بساط الدعاء والطلب. قال فيها – أعني
"العوارف"–:"وهذا يختصُّ ببعضِ الأحوالِ والأشخاص دون البعض، وليسَ على إطلاقه، لأن الله تعالى أمر بالدعاء" اهـ.
وقال الشيخ
زروق
بعد ذكره ما ورد في حق
الخليل عليه الصلاة والسلام حين زُجَّ به في المنجنيقِ فتلقَّاه
جبريل
وقال له: "ألك حاجة؟"، فقال: "أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى"، فقال له: "إذن فاسأله"، قال: "حسبي من سؤالي عِلْمُه بحالي"ما نصه:
"وهو طريق العارفين عند تعذر الأسباب، أعني الرجوع إلى الله تعالى بالإستسلام وترْك الطلب، بخلافِ حال قبوله لمحل الأسباب، فإن العملَ بها حينئذٍ مطلوبٌ".
قال: "واعتبر ذلك بأمرِ أم
موسى
بإلقائه في البحر وإجابة الملائكةِ للوط
بقولهم
«
قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ
»(هُود: الآية
76)عند قوله لقومه
«لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً»(هُود: الآية
80)الآية، فهو صلوات الله عليه أرادَ مقابلتَهم بالأسبابِ، فأجيبَ بنفوذ الأمر وأنه لا محلَّ لها، ولذلك أشارَ
النبي
بقوله
«يَرْحَمُ الله أخِي لُوطاً لَقَدْ كانَ يأْوِي إلى رُكْنٍ شَديد»(1) على معنى أن ترحمه عليه إنما كان لظنِّه أن الأسبابَ بقي لها محلٌّ، لا كما فهمه من لا حقيقة عنده".
ثم قال: "والتوجهات ثلاثة:
- أولها: التوجُّهُ بالإستسلام، وذلك عند تعذر الأسباب كما تقدم.
- الثاني: التوجُّه بالسؤالِ والطلب، وذلك عند انشراحِ الوقت وجريانه بالمعتاد، وفي موقف تذكير النفس بالإفتقار والإضطرار عند غفلتها عن التوحيد، أو يكون البساطُ بساطَ تعليم أو تذكيرٍ ونحوه.
- الثالث: التوجُّه بالتعريض، وذلك حين يغلبُ حسن الظن والإكتفاء بالعلم وتحقيق التوحيد والإشتغال بالذكر، كقول سيدنا
إبراهيم
«وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
(82)»(الشُّعَرَاء:ألاية
82)،وكقول سيدنا
موسى
«رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ»(القَصَص: الآية24)،وكقولِ
نبينا
«لا غِنَى لي عَن عافِيَتِكَ، عَافِيَتُكَ أَوْسَعُ بي»"
اهـ كلام الشيخ
زورق
.
ولا يخفى أن كلَّ توجُّهٍ لحال أو وقت هو الأدب في تلك الحال أو ذلك الوقت. وبهذا الذي نقلناه عن الشيخ
زروق
يظهر ما أشار إليه رحمه الله تعالى ورضي عنه، ويعرف أنه ليس على إطلاقه كما تقدَّم عن صاحب
"العوارف". نعم يحتاج التوجه بالسؤالِ والطلب إلى آدابٍ تخصُّه:
- منها الإخلاص، قال تعالى
«وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ»(البَيّنَة: الآية5)الآية. قال في
"تهذيب الأذكار": "وإخلاص الدعاء إلى الله تعالى أن يخلصَ الدعاءَ عما يشوبُه من الحظوظ، وأن يفرِدَ الله تباركَ وتعالى في القصْدِ بأنه المعطي لا غيره''.
- ومنها أن يأتي في دعائه بما يشعرُ بعظَمَةِ الربوبية وذلة العبودية. قال الشيخ
زروق
: "كلُّ دعاءٍ لا يشعرُ صاحبُه فيه بعَظَمَةِ الربوبية وذلّ العبودية فهو تلاعبٌ"، وبه أُجيبَ عن عدم انتفاع كثير من الناس بالأدعية والأذكار الصحيحةِ الوعد بالإجابة، المجرَّبة النفع عند أهل الصدق والإخلاص.
- ومنها الإكتفاء بعلم الله تعالى مع حسن الظنِّ به والتفويض إليه في الإجابة والعطاء.وقد نقل الشيخ
زروق
عن بعضهم أنه قال: "من لم يكنْ في دعائه تاركاً لاختياره راضياً باختيار الحقِّ تعالى فهو مستدرجٌ، وهو ممّن قيل له «اقْضُوا حاجَتَه فإنِّي أَكرَهُ أَنْ أسمَعَ صَوْتَه». فإن كان مع اختيار الحقِّ سبحانه وتعالى، لا مع اختياره لنفسِه، كان محبوباً وإن لم يعطَ، والأعمال بخواتمها(2)"اهـ.
وذكر في
"جواهر المعاني" عن
شيخنا
أنه كان إذا دعا لنفسه أو لأحد بشيءمما كان مجهولَ العاقبة، أو فيه حظٌّ، كان دعاؤه طلبَ الخيرة من الله. وكان يقولُ المرة بعد المرة: «لا أدعو إلا بلساني، وقلبي مستسلم لله تعالى، وأقولُ لا أريدُ شيئاً ولا أختار شيئاً، تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد». وتارة إذا طلبه أحدٌ في الدعاء يمتنع منه أدباً مع الحقِّ سبحانه، واكتفاءً بعلمه واختياره لعبيده. وهذا كله فيما هو مَشُوبٌ بالحظوظ.وأماالدعاءُ على وجْهِ العبودية فقد كان لا يزال لَهِجاً به رطباً قلبه ولسانه، لأنه مأمورٌ به شرعاً. وكان أكثرُ دعائه لمن سأله في الدعاء:
«الله يقبل عليك بمحض فضله ورضاه» اهـ. وفي هذا الدعاء من التحقيق بوصف العبودية والإستشعار لعظمة الربوبية، مع ما فيه من كمال النصح وحسن التربية، ما لا يخفى، لاشتماله على جميع المطالب الدنيوية والأخروية، مع الإعتماد في جميعها على ما يبرز من الحضرة الفضلية. وراجعْ آداب
شيخنا
في
"جواهر المعاني" وتأملْ ما اشتملت عليه رسائلُه ومخاطبته من أدعيته لمن يخاطبه، ترَ مما خصَّه الله تعالى به من محاسن الأدب ما يشهدُ العقل والنقل بأنه لا يتأَتَّى مثلُه إلا للخاصة العليا من أهل الرتب
وأرضاه، ومتَّعنا والأحبة في الدارين برضاه، آمين.
واعلم أنه قد تحصَّل مما ذكره في
"جواهر المعاني" من عمل
سيدنا
في الدعاء على اختلاف الأحوال فيه أن الدعاء ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ولكلِّ قسم منها أدب يخصُّه:
- (القسم الأول) الدعاءُ بما كان مجهولَ العاقبة، والمراد به ما لم تتبين مصلحتُه للعبد. وقد أفادَ عملُ
سيدنا
أن الأدب فيه هو أن يكون بطلبِ الخِيرة من الله تعالى، وهو واضحٌ، والتحقق فيه بوصف العبودية بيِّنٌ.
- (القسم الثاني) الدعاءُ بما كان مشوباً بحظِّ النفس، وهو طلب الحوائج من الله تعالى، أعني الحوائج التي تبين للعبد أن له فيها مصلحة. وقد أفاد عملُ
سيدنا
أن يطلب ذلك الشيء على التعيين مع التفويض والإستسلام وترك مراد العبد إلى مراد سيده، واختياره إلى اختياره سبحانه، وحكم مشيئته مع رؤية التأثير من الله تعالى من نفسِ الداعي، وهذا هو دعاء أهل اليقين.
قال الشيخ المحدث العارف بالله سيدي
محمد بن علي الترمذي
في
"نوادر الأصول": "وأما أهلُ اليقين فإنهم يدعون ويلحُّون، وهم في ذلك ساكنون مطمئنُّون منتظرون مشيئة الله، فإذا أجابَ قبلوا، وإن تأخَّر صَبَروا، وإن مَنَع رضوا وأحسنوا الظن، كما قيل: "مَنَع الله إياك عطاءً منه لك"، وذلك أنه لم يمنعْكَ من بخلٍ ولا عدم" اهـ نقله في
"شرح عدة الحصن الحصين".
وبهذا الأدب يصيرُ الداعي متعبّداً لله تعالى في عين طلبه لحاجته، فلا يؤثر في عبادته إذ ذاك حظُّ نفسه.
ومما يزيدُ هذا القسم بياناً وإيضاحاً ما ذكره الشيخ أبو
عبد الله بن عباد الرندي في
"رسائل"ـه، ونصُّه: "إن الوجه في وقوع الدعاء، يعني طلب الحوائج من الله تعالى على وجه العبودية أن تكون في حال دعائك طالباً من الله شيئاً رأيت أن لك فيه مصلحة من غير أن تدعي استغناءً عن ذلك ولا سخاوة نفس به، ومن غير أن ترى دعاءك سبباً موجباً لحصولِ ذلك الشيء المطلوب، دون الحكم الأزلي، وهذا لا ينافي كونك راضياً مفوِّضاً متوكِّلاً، كما لا ينافي ذلك التسبُّب والتكسب إذا كان بحيث لا يتغيَّر قلبك ولا يضطرب عند عدم إفضاءِ سببك، إلى مطلبك".
ثم قال: "ولا يضرُّك ما يفاجئك أولاً بمقتضى الطبع من بغضك لعدم حصول مطلبك، إذ ذاك لا يثبتُ ولا يلبث أن ينهزم ويزول بما يكرُّ عليه من وجود إيمانك ويقينك ومعرفتك، ويكون بمنزلة الطائف الذي ينهزم بالتذكُّر". اهـ نقله في الشرح المذكور بمعناه عن شيخ شيوخه العارف بالله.
قلت: هو حسن في بابه، مفيد جداً في إيقاع السؤال والطلب على الوجه الأكمل المرضي شريعةً وطريقة وحقيقة، حيث اشتمل على امتثال الأمر بالدعاء، وعلى ترْكِ دعوى النفس الإستغناءَ عن الشيء المطلوب، وعلى رؤية التأثير للقدرة الإلهية والحكم الأزلي مع الرضا التام، والله تعالى أعلم. وإلى هذا أشار ما ذكره في
"الحلية" عن
محمد الباقر
أنه قال: "ندعو الله تعالى بما نحبُّ، فإذا وَقَعَ ما نكره أحببنا ما أحبَّ" اهـ.
- (القسم الثالث) الدعاءُ على وجه العبودية المحْضَة:تعبُّداً لله تعالى وتقرباً إليه سبحانه وتعالى من غير أن يشوبَ ذلك حظٌّ. وهو التوجُّه إلى الله تعالى بالدعوات المشتمِلة على أوصاف العبودية من إظهار فاقةٍ وافتقار أو عجز واضطرار على وجه التضرُّع والخضوع إلى الله تعالى، وعلى طلب التوبة والمغفرة والقبول والرحمة منه سبحانه وتعالى.
وعلى هذا القسم كان عملُ من أدركناه من أصحابِ
الشيخ
في جميع الأحزاب والأدعية، وعليه كانوا يحضُّون، وفيه كانوا يرغبون. ورأينا الفضلاء المعتبرين منهم يكرهون أن يذكر المريد شيئاً من الأدعية والأحزاب المتداولة في الطريق، كـ"السيفي" و
"حزب البحر" وغيرهما، بنية شيء من الخواص. ويصرِّحون بأن طريقنا أن نذكر ذلك تعبداً لله تعالى وتقرباً إليه وطلباً لمرضاته لا غير.
×
(2) الحديث «وإنما الأعمال بالخواتيم» رواه البخاري في (القدر: 5)، وفي (الرقاق: 33)، و الترمذي في (القدر: 4)، و أحمد: 5/335.

