في بيان تخالف أخلاق أولياء الله تعالى في الطرائق و المذاهب
و الإشارة إلى أن منشأ ذلك هو تباين الأذواق و المشارب
لا يخفى على الأريب وجْهُ المناسبة في اشتمال هذه المقدمة على هذا المطلب العجيب من الفوائد العظيمة و المنافع الجسيمة، و لو لم يكنْ إلا سلامته من الوقوع في مهاوي الإنكار و التردِّي فيما تردَّى فيه كثيرٌ من الأغمار(1)، بالإنتقاد على الأولياء الأبرار و العارفين الكبار، و ذلك بما استفادوه من الأقْيِسَةِ الخلية و التخمينات الوهمية، باستقرائهم السقيم و مذهبهم الفاسد في اعتقادهم أن الولاية لا تجيءُ في كلِّ زمان و في كلِّ شخص، إلا على قانون واحد، و أنها مما تشمله الحدودُ، و يدخل تحت محيطات الضوابط و القواعد.
و قد صرَّح في "الذهب الإبريز"، بأنه: "لا يصحُّ لأحدٍ أن يحجر الفضل العظيم، فيقطع على المولى الكريم بأنه لا يختار لبساطِ كرامته و لا يصطفي لحضرة قربه و مشاهدته إلا من صدقتْ عليه تلك الحدود و الضوابط، و استكملتْ فيه تلك العلاماتُ و الشرائط".
قال: "و قد يبلغُ الجهلُ بأهلِ الإنكار و الجحود، إلى نَفْي الولايةِ عن كلِّ موجود، لما استحكَم في قلوبهم من حصرها في ضوابط معلومة، و تحقيقها بقواعد مرسومة. فترى الواحد منهم يعرض على ما معه من القواعد و الضوابط و الآراء و الأنظار، أحوال كلِّ واحدٍ ممن يراه أو يسمع به من الأولياء الكبار، فيجدها لا تنطبقُ على أحواله، فينفي عنه الولاية بكل وجْهٍ و كل اعتبار. و يصير مثال حاله الكاسد أنه يؤمن بولي لا وجودَ له في الشاهد. و لم يدْرِ أن الولاية مجرَّد اصطفاء من الله تعالى الفعَّال لما يريد، لمن يشاء و يختار من العبيد، و أنها ليس مما يدرك بالتخمين، و لا مما يقدِرُ على ضبطه أحدٌ من المخلوقين" اهـ بمعناه.
و لهذا الذي اشتملتْ عليه هذه الفائدة الجليلة من النكت البديعة و المنافع الجزيلة حَسُنَ منّا إيرادُ هذا المطلب في جملة مطالب هذا الكتاب، و ما هو إن شاء الله تعالى إلا الخالص منها و اللباب.
فنقولُ والله تعالى الموفق للصواب: اعلم، أنار الله قلبي و قلبك بأنوار الإيمان و اليقين، و أمدَّنا جميعاً بما أمدَّ به عباده المتقين أن الإتساع الإلهي، الذي لا يحتملُ الحصْرَ و لا التناهي، يأبى انحصار المواهب الإختصاصية و المنح الإصطفائية، في نوع من أنواع الصفات الكمالية، أو صنفٍ من أصناف النعوت الجلالية و الجمالية، لأن المفيض لتلك المواهب و العطايا، و المخصَّص بتلك المنائح و المزايا هو المولى الجواد الكريم ذو الفضل العظيم و الطَّول الجسيم، الفاعل المختار الموصوف بكمال الإقتدار، الذي لا يسأل عما يفعل و يخلقُ ما يشاء و يختار. و إذا كان سبحانه هو الواهب لتلك المواهب، المانح لتلك التخصيصات و الرغائب، و كان سبحانه فتّاحاً على الدوام، وهّاباً بلا انقطاع و لا انصرام، فكيف تنحَصِرُ مواهبه لأوليائه في شيءٍ من الأنواع و الأجناس؟، أو تدخل منحه لخاصَّة أصفيائه تحت ضابطٍ أو قياس؟.
فهذا الأصل إن أحكمته علماً، و فتح الله عليك في التحقيق به ذوقاً و فهماً، يسهل عليك الإطلاع على توجيه اختلاف مذاهب الأولياء، و عدم توافق طرائقهم، و ينحلُّ لك ما يشكل عليك من تبايُنِ أذواقهم و حقائقهم، و تعرف موجبَ الإنكار من البعض منهم على البعض و معاملته إياه بالحطِّ من قدره و الغضّ. فحينئذٍ لا يستفزُّك ظاهر أحوالهم، و لا يحجبك عن الله الإستِمْداد منهم و الإقتباس من نور كمالهم، و ترسخ قدمك إن شاء الله تعالى في المتابعة لمن اتخذته منهم إمامك، فألقيتَ إليهِ قيادَك و ملَّكْتَه زمامك. فتظفر يمينك بكيمياء السعادة و تستنتج نتائج النجاحِ من مقدماتِ هذه الفائدة، و تعثر ذوقاً على موقع الإشارة من قوله تعالى [لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَ زِيَادَةٌ ۖ ] (يونس: الآية 26).
و لنذكر من كلام العلماء العاملين و المشايخ الكاملين، ما يدلُّ لتحقيق ما قصدنا الإشارة إليه في هذا المقام. قال الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى و
و عنده في مؤلفه المذكور أيضاً ما نصُّه: "و في "كفاية المعتقد" لليافعي نفع الله ببركاته ما نصه: "قال: "قال بعضُ العارفين: "الصالحون كثيرون مخالطون للعوام لصلاح الناس في دينهم و دنياهم، و النجباء في العدد أقلُّ منهم، و النقباء في العدد أقلّ منهم، و هم مخالطون للخواص، و الأبدال(2) في العدد أقلُّ منهم، و هم نازلون في الأمصار العظام، لا يكون منهم في المصر إلا الواحد بعد الواحد، فطوبي لأهل بلدةٍ كان فيها اثنان منهم. و الأوتاد(3) واحد باليمن، و واحد بالشام، و واحد بالغرب، و واحد بالشرق. و الله تعالى يدير القطبَ في الآفاق الأربعة من أركان الدنيا كدوران الفلك في أفق السماء. و قد سترتُ أحوالَ القطب، و هو الغوث، عن العامة و الخاصة غيرة من الحقِّ عليه، غير أنه يرى عالماً كجاهل، أبله كفطن، تاركاً آخذاً، قريباً بعيداً، سهلاً عسيراً. و كشفت أحوالُ الأوتادِ للخاصة و العارفين. و سترت أحوالُ النجباء و النقباء عن العامة خاصة، و كشف بعضهم لبعض. و كشفت أحوال الصالحين للعموم و الخصوص ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. و عدة النجباء ثلاثمائة، و النقباء أربعون، و البدلاء قيل: ثلاثون، و قيل: أربعة عشر، و قيل: سبعة و هو الصحيح. و الأوتاد أربعة. فإذا مات القطب جعل مكانه خيار الأربعة، و إذا ماتَ أحدٌ من الأربعة جعلَ مكانه خيار السبعة، و إذا مات أحد السبعة جعل مكانه خيار الأربعين، و إذا مات أحد الأربعين جعل مكانه خيار الثلاثمائة، و إذا مات أحدُ الثلاثمائة جعل مكانه خيار الصالحين. و إذا أراد الله أن يقيم الساعة أماتهم أجمعين، و بهم يرفع عن عباده البلاءَ و ينزل قطر السماء. و قال بعضُ العارفين: و القطب هو الواحد المذكور في حديث ابن مسعود أنه على قلب إسرافيل، و مكانه في الأولياء كالنقطة في الدائرة التي هي مركزها، به يقعُ صلاح العالم" اهـ.
و كلامُ اليافعي هذا صريحٌ في أن من الأولياء من ليس من أهل الدائرة، و هم الصالحون وعددهم كثير. و يؤخذ منه أنهم هم المعبَّر عنهم في حديث ابن مسعود بالعامة. و كلامه أيضاً صريحٌ في أن أحوال الأولياء منها ما لا يكشف لأحد، و منها ما يكشف للخاصة منهم فقط، و منها ما يكشف للخاصة و العامة، أي و العامة منهم و هم الصالحون لا غير، و إلا فمن أين لغير الولي أن يعرف الولي؟. فكلامه هذا كالتفسير لحديث ابن مسعود
و هنا دقيقة، و هي أن قوله «و كشفت أحوال الصالحين للعموم و الخصوص» يقتضي أن من ليس من أهل الدائرة من الصالحين يعرفه كلُّ من كان من أهل الدائرة، و كذا من ليس من أهل الدائرة مثله.
و ليس المخصوص لأئمة الطريق كذلك، ففي "النزهة" للعارف بالله تعالى سيدي أحمد بن عبد القادر النستاوتي رضي الله عنهما ما نصه: "و يحكى عن الخضر
و قد حلَّ كلام الخضر عليه السلام على ما يتأيد به كلام اليافعي من أن لله تعالى أولياء كثيرين من غير أهل الدائرة. و قوله «منهم من أعرفه و منهم من لا أعرفه» نصٌّ في أن الصالحين، يعني عامة الأولياء الذين ليسوا من أهل الدائرة، يعرف بعضَهم لا كلَّهم، لأنه إذا كان الخضر
و قد قال سيدنا الشيخ
و رأيت في حاشية "الإكبار على مختصر الشيخ خليل" عند قوله فيه: "و لا عامل على مثله"، ما نصه: "ذكر صاحب كتاب "المعارج" أنه قد يفضي إنكارُ القوم بعضهم على بعض إلى أن يكفِّر بعضُهم بعضاً، و ذلك من أجل أن يحكم بحالِه على غيره. و قال أبو حامد(5) في "إحيائـ"ـه: "و لذلك تختلف أجوبتهم، و هذا معنى قول تاج الدين: "تنوَّعت أجناسُ الأعمال لتنوع واردات الأحوال، و واردات الأحوال ما يردُ على القلوبِ من المعارف. فقد يكون واردٌ يوجب قبضاً، و آخر يوجب بسطاً أو هيبة أو أنساً أو رجاء أو خوفاً. و انظر قضية يحيى و عيسى عليهما السلام حين التقيا فقال أحدهما لصاحبه: "كأنك آمِنٌ من مَكْر الله؟"، فقال له الآخر: "كأنك آيسٌ من رحمة الله؟"، فتنوع ما ظهرَ عليهما لتنوُّع واردِ حاليهما، و كلٌّ منهما صادق بنسبته. فلهذا يجب تحسين الظنِّ بالجميع، و أن لا يسمع كلام البعض في البعض لأجل غَيْرَتِهم على الدين لا تحاسدهم" اهـ بلفظه من الحاشية المذكورة.
و قد جرى التعبيرُ بمثل عبارة الخضر
و روي مثل ذلك عن مولانا علي كرم الله وجهه، و عليه قول إمام الطائفة الجنيد
قال الشيخ محيي الدين
و كثيراً ما كانت تجري هذه العبارة على لسان سيدنا الشيخ
و في قول إمام الطائفة
و قد صرح سيدنا ومولانا الشيخ
ثم قال
ثم قال
و قد وقفتُ لبعض أهل التحقيق ممن له اليد الطولى في علوم الأذواق و أسرار الطريق، في بعض مؤلفاته المتلقَّاة من الخاصِّ و العام بالقبول التام، على كلامٍ موافق لكلام الشيخ
و بهذا الذي ذكرناه من هؤلاء الأعلام و الفحول العظام تتحقَّق سعة فضل مولانا الملك العلام فيما يتحفُ به كل واحد من أوليائه الكرام. ثم لا يخفى عليك بعد التحقق بذلك توجيهُ ما يظهر من اختلافهم في الطريق و المسالك، و تعلم أن منشأ ذلك الإختلاف، كما يظهر لمن سلك سبيلَ الإنصاف و تجنُّب طريق الإعتساف، هو تباينُ ما يختصُّ به كل واحد منهم في حضرته، و ينفرد به عمن سواه في رتبته من الأسرار العجيبة و الأذواق الغريبة البارزة له من الدائرة الفضلية على حسب القسم الأزلية. و تعلم لا محالة أنَّ كلَّ واحد منهم على بينةٍ من ربه و بصيرة فيما ينتحيه، هو و من اتبعه من المريدين الصادقين و السالكين الموفقين، فتلحظ الجميع حينئذٍ بعين الكمال، معتقداً أن الكل يشيرُ إلى ذلك الجمال، فتلج بحبوحة التسليم و ينسحب عليك من فضل الله تعالى ذيل ]مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[(الشُّعَرَاء: الآية 89).
و إذ قد حصلتَ على توجيه الخلاف بين مذاهبهم، و عثرت على وجه التحقيق في تباين مشاربهم، و إنه لتباين ما يختصُّون به في مقاماتهم و مراتبهم، فينبغي أن نذكر لك بعضَ ما لأئمة هذا الشأن من التقسيمات للطرق التي عليها مدارُ السلوك و التسليك في هذا الميدان ليكون ما نذكره من ذلك كالأمثلة لما قدمناه من المسائل، إذ بالأمثلة تُقَرَّر الحقائق في ذهن كلِّ طالب و سائل.
و ذلك بعد أن تعلمَ أن الطريق، إن اعتبرت من حيث ثمرتها المقصودة منها، و هي معرفة الله تعالى و معرفة الآداب في الأسباب الموصلة إليها، و هي اتباع شريعته
فقسمها العارف السهرودري
و من أحسن العبارات في ذلك قول التاج بن عطاء الله
و من أوضح التقريرات لهذا المعنى قولُ التاج بن عطاء الله أيضاً في "لطائف المنن" على قول شيخه المرسي رضي الله تعالى عنه: "الناسُ على قسمين: قوم وصلوا بكرامة الله إلى طاعة الله، و قومٍ وصَلُوا بطاعة الله إلى كرامةِ الله، قال الله تعالى ]اللهُ يَجْتَبِىَ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ [ (الشّورى: الآية 13) الآية"، ما نصه:
"و معنى كلام الشيخ هذا أن من الناس من حرّك بالله تعالى همته لطلب الوصال إليه، فصار يطوي مهام(6) نفسِه و بيداءَ طبعه إلى أن وصَلَ إلى حضرة ربِّه، فيصدق على هذا قوله تعالى ]وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ[ (العَنكبوت: الآية 69). و من الناس من فاجأته عنايةُ الله تعالى من غير طلب و لا استعداد، و يشهدُ لذلك قوله تعالى ]يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ[(البَقَرَة: الآية 105). فالأول حال السالكين، و الثاني حالُ المجذوبين. فمن كان مبدؤُه المعاملة فنهايته المواصلةُ، و من كان مبدؤه المواصلة رُدَّ إلى وجودِ المعاملة. و لا تظنَّ أن المجذوبَ لا طريقَ له، بل له طريق طوتها عناية الله تعالى فسلكها مسرعاً عاجلاً. و كثيراً ما تسمع أن السالك أتمُّ من المجذوب لأن السالك عرف طريقاً بها توصل إليه، و المجدوب ليس كذلك، و هذا إنباءٌ عن أن المجذوب لا طريق له، وليس الأمر كما زعموا. فإن المجذوبَ طُوِيَت له الطريق و لم تُطْوَ عنه، و من طويت له الطريقُ لم تفتْهُ و لم تغبْ عنه، وإنما فاتَه متاعبها و طولُ أمدها، و المجذوب كمن طويت له الطريق إلى مكة، و السالك كالسائر إليها على أكوارِ المطايا(7)".
قال ابن عباد رحمه الله تعالى: "و هو حَسَنٌ قلَّ أن يوجد لغيره" اهـ. و انظر قوله في "الحكم" دلّ بوجود آثاره على وجود أسمائه... الخ، و ما قيده عليه ابن عباد رحمه الله تعالى تستفد زيادة في تقرير هذه الجملة.
و في آخر جوابٍ لسيدنا الشيخ
و هذا ساقَهُ الشيخ
و إنما أطلت في بيان هذين الطريقين ليكون في ذلك شرحُ ما عسى أن يتوقف في فهمه مما سنذكره في شرح أبيات النظم إن شاء الله تعالى من أهل طريقنا هذه الأحمدية مسلوك بجميعهم طريق المرادين، و ذلك أحدُ الوجوه التي من أجلها سُمِّيت بالمحمدية بالمعنى الأخصِّ كما سيبين في المطلب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
(تنبيه) قال في "العوارف" بعد تقريره الطريقين المذكورين ما نصه: "و دونهما طريقان آخران ليسا من طرقِ التحقُّق بالطريق في شيء: أحدهما مجذوبٌ أبترُ ماردٌ إلى الاجتهاد بعد الكشف، والثاني سالكٌ أبترُ ما خلص بعد الاجتهاد إلى كشف" اهـ.
و هذان القسمان لا اعتدادَ بهما في الطريق كما صرَّح به سيدنا الشيخ
وكان
و قسمها الشيخ محيي الدين الحاتمي
"رجالُ الله ثلاثة لا رابع لهم:
- الصنف الأول: رجالٌ غلبَ عليهم الزهدُ والتبتُّل والأفعال الطاهرة كلُّها، وطهَّروا أيضاً بواطِنَهم من كل صفةٍ مذمومة قد ذمَّها الشرعُ إلا أنهم لا يرون شيئاً فوقَ ما هم عليه من هذه الأعمال، و لا معرفة لهم بالأحوال و لا بالمقامات و العلوم الإلهية الوهبية، و لا بالإشراق و الكسوف، و لا بشيء مما يجده غيرُهم، فهؤلاء يقال لهم: "العباد"، وهم إذا جاءهم أحدٌ يطلب منهم الدعاءَ ينتهرونه ويقولون له: أي شيء نحن حتى ندعو لك و ما منزلتنا؟ خوفاً من أن يتطرَّق إليهم العجبُ، و خوفاً من غوائل النفس لئلا يدخلَهم الرياءُ في ذلك.
- الصنف الثاني: رجالٌ فوق هؤلاء، يرون الأفعالَ كلَّها لله و أنهم لا فعل لهم أصلاً، فزال عنهم الرياء جملةً واحدةً ،و إذا سألتهم عن شيء مما يجوِّزُه أهل الطريق يقولون ]قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ[ [الأنعام: الآية 91]، و هم مثل العباد في الجدِّ و الاجتهاد و الورع و المقامات و العلوم و الأسرار و الكشوف و الكرامات، فتتعلَّق هِمَمُهم بنيلها، فإذا نالوا شيئاً من ذلك ظهروا به في العامة من الكرامات لأنهم لا يرون غير الله و هم أهل أخلاق وفتوة، وهذا الصنفُ يسمّون "الصوفية"، وهم بالنظر لأهل الطبقة الثالثة أهل رعونة و أصحاب نفوس و تلامذتهم مثلهم أصحاب دعاوى حتى إنهم ربما يظهرون الرياسة على رجال الله.
- و الصنف الثالث: رجالٌ لا يزيدون على الصلوات الخمس إلا الرواتبَ، و لا يتميزون على المؤمنين المؤدّين فرائضَ الله بحالة زائدة يعرفون بها، يمشون في الأسواق و يتكلَّمون مع الناسِ لا يبصرُ أحدٌ من خلق الله تعالى واحداً منهم يتميز عن العامة بشيء زائد على عملٍ مفروض أو سُنّة معتادة في العامة، قد انفردوا مع الله راسخين، لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع الله طرفة عين، و لا يعرفون للرياسة طمعاً لاستيلاء الربوبية على قلوبهم..." إلى آخر ما وصفهم به.
ثم قال: "فهم أرفعُ الرجال مقاماً و تلامذتُهم أكبرُ الرجالِ يتقلَّبون في أطوار الرجولية
و هؤلاء يقال لهم "الملامتية" و"الملامية" حسبما دلَّ عليه كلامُه فيما قبل هذا من أبوابِ "الفتوحات المكية".
و قد كان أخونا و سيدنا الشريف الأجلّ الولي الصالح مولانا محمد بن أبي النصر العلوي، أحد الخاصة من أصحاب سيدنا الشيخ
و قد صرَّح بذلك بعضُ أصحابنا، وهو من أعلام الطريقة وأركانها في جواب له. ونصُّ كلامه في جملة ما وصفهم به: "و لا يدعون دعوى ولا مزيةً ولا خصوصية ولا تميَّزا على الجنس، كل ذي حرفة في حرفته، وكلُّ ذي شغل في شغله، مع أن منهم المتصرفين في الكون بالأحوال لا بالخواص والاستعدادات الطبيعية، فلا شكَّ أنهم السادات الملامية الذين رئيسهم ذو الخلال سيدنا أبو بكر الصديق
|
حَسْبـي بهم من غَيْـرِهم بدلاً فَهـُم |
|
رَوحـــي وَ رَيْـحــانــي و بُــرْءُ ســقـامــي |
|
إنـي ختمْتُ علـى الضميرِ بحبِّهم |
|
فَغَــدا هــواهُم فيــهِ زَهْــرَ كِـمامـي |
|
و جَـعَـلْـتُـه حــرماً لـه فــسِـوَاهُـم |
|
مـا إنْ لــه بحــمَــاهُ مِــنْ إِلْــمــامِ |
|
إِنْ لاحَ لـي مِـنْ أفْقِ مَغْنَاهُم سَنّى |
|
فَعَلــى الوجــودِ تحيَّتــي و سَلامــي |
و قسمها الشيخ الأكبر محيي الدين الحاتمي أيضاً إلى عدة طرق باعتبار آخر يفضي بنا إيراد ذلك إلى التطويل، مع أن المراد من هذه التقسيمات هو ما قدمناه من التمثيل.
و ذكر الشيخ الإمام العالم العلامة الراوية الرحالة أبو سالم العياشي(10) رحمه الله تعالى و رضي عنه في "رحلتـ"ـه عن شيخه الشيخ أبي علي حسن بن علي العجيمي الحنفي رحمه الله تعالى و رضي عنه أنه قسمها إلى أربعين طريقاً، و ذلك باعتبار ما كان موجوداً في زمنه بالبلاد المشرقية وغيرها من طرق المشايخ المعتبرين في التسليك و الإرشاد، الموصوفين بالتربية و الترقية و إفاضة الإمداد.
و ذكر عن شيخه المذكور أنه أفرد تقسيمها برسالة استوعَب فيها جميعَها، و ذكر فيها ما يتميَّز به أهلُ كل طريق منها. قال، أي أبو سالم: "و هي غاية في الباب مستوعبة أتم استيعاب، ما رأيتُ مثلَها لأحدٍ قبلَه ممن سلكَ الطريقَ وعُدَّ من أولئك الفريق". قال: "و هي دالةٌ على سعةِ اطلاعه و كثرة اعتنائه بالطريق و لقاء أهلها"، إلى آخر كلامه في ذلك في "رحلتـ"ـه.
ثم ذكر منها، أي من الرسالة المذكورة، بعض ما تمسّ الحاجة إليه من ذلك سرده لتلك الطرق هكذا:
"محمدية، أويسية، قلندرية، صديقية، ملامتية، كبروية، همدانية، ركنية، نورية، خلوتية، مولوية، جهرية، برهانية، أحمدية، سهروردية، خفيفية، شاذلية، وفائية، زروقية، بكرية، جزولية، خواطرية، عيدروسية، مشارعية، حاتمية، قادرية، غرابية، مدينية، قشيرية، رفاعية، حلاجية، خرازية، خشنية، مدارية، شطارية، عشقية، نقشبندية، غوثية، جنيدية، سهلية" اهـ.
المحمدية
الأويسية
القلندرية
الصديقية
الملامتية
الكبروية و الهمدانية
الركينة و النورية
الخلوتية
المولوية
الجهرية
البرهانية
الأحمدية
السهروردية و الخفيفية
الشاذلية
الخواطرية
العيدروسية
المشارعة
القادرية و الحاتمية
المدينية
الرفاعية
القشيرية
الخرازية
الخشنية
المدارية
الشطارية
العشقية
النقشبندية
الغوثية
الحلاجية و الجنيدية و السهليةوفيما ذكرناه من هذه التقسيمات عن هؤلاء الأعلام كفاية فيما قصدنا التمثيلَ به في هذا المقام، ولا شك أن من نظر فيها وفتَحَ الله بصيرته لفهمها يسلِّمْ لجميع المشايخ، ويقرّ جميع طرقهم، ويعلم أن الزهر ألوان، وأن قصر الكمال على ما اقتضاه الألف الطبيعي من أعظم أسباب الحرمان، والله المستعان، وليس إلا عليه في التوفيق التكلان.
(تتمة نافعة)وليكن هذا آخرَ ما نورِدُه في هذا المطلب، وبالله التوفيق، والهداية إلى سواء الطريق.
(2) الأبدال عند الصوفية: لقب يطلقونه على رجال الطبقة من مراتب السلوك عندهم.
(3) أوتاد الصوفية: أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم: شرقي وغربي وجنوبي وشمالي، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة.
(4) كذا بالأصل.
(5) أي: أبو حامد الغزالي، الإمام، وقوله «و إحيائه» يعني "إحياء علوم الدين" كتابه المعروف.
(6) كذا بالأصل، و لعل الصواب «مهامه» و هي الصحراء الخالية.
(7) الأكوار: جمع الكُور، و هو الرَّحْلُ، أو الرحلُ بأداته. و المطايا: جمع المطيَّة، و هي الدابة يُركب عليها.
(8) خَلَفَ الشيءُ يخلُفُ خُلُوفاً، تغيّر و فَسَد. يقال: خَلفَ الطعامُ، و خَلف فم الصائم، و في الحديث «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
(9) هو سلمان الفارسي، أبو عبد الله، ويعرف بسلمان الخير، مولى رسول الله
(10)هو عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي، أبو سالم، فاضل، من أهل فاس، نسبته إلى آية عياش (و هي قبيلة من البربر تتاخم أرضها الصحراء). قام برحلة دوّنها في كتابه "الرحلة العياشية" وله كتب أخرى، مات سنة 1090 هـ. انظر "اليواقيت الثمينة": 178، و "فهرس الفهارس": 2/211.
المحمدية
فمنسوبة إلى سيدنا محمد رسول اللهقال: "و قد سَلَكَ على هذا جماعةٌ من المشايخ قديماً و حديثاً، قال الشيخ أبو سالم: "ذكر صاحب "الرسالة" جماعة منهم ثم قالَ، أعني أبا سالم رحمه الله تعالى: "قلت: "و قد رأيتُ بالقاهرةِ سنة بجامع المارديني الشيخ محمد الخلوتي، و هو رجلٌ منقطع بالمسجد و له أصحاب، فسألته عن طريقه و لمن ينتسب؟، فقال لي: "أما أنا فطريقي محمدية لا أنتسب لأحدٍ إلا للنبيِّ
و في "صنيع الرسالة" ما يشهد لكمال ذوقِ صاحبها حيث قدَّم الكلام على هذه الطرق المنسوبة بالوجه الخاص لسيد الوجود
و لغرابةِ علم الطريق في هذا الزمان تجد الكثيرَ من أهل العلم و بعضَ المتصوفة و غيرهم من المتصلِّحين ينكرون وجودَها، بل لا يدرون لها حقيقة أصلاً، و الأمرُ له، و لا حول و لا قوة إلا بالله. و من هذه الحيثية، أي من حيثية ما عمَّ في الوقت من الجهل بعلم الطريق، كبر في صدور كثير من الناس أمرُ طريقنا هذه المحمدية حتى ادعوا أنها لا شيخ لها و لا إمام، فلم يهتدِ إليها إلا من سبقتْ له العنايةُ الأزلية لا غير. و سيأتي لنا في المطلب بعد هذا مزيد بيان و إيضاح فيما اختصَّت به هذه الطريقة الشريفة نفعنا الله بها و بأسرارها بمَنِّه و كرمه آمين.
الأويسية
و مما ذكره في "الرحلة" عن شيخه صاحب "الرسالة" المذكورة قوله في الأويسية: "إنهم المنسوبون إلى روحانية بعض الأنبياء و المشايخ، كأخذ سيدنا أويس عن روحانية سيد المرسلين، و كأخذ أبي يزيد عن روحانية الإمام جعفر الصادق، فصار كل من أخذ عن روحانية تسمَّى طريقته أويسية" اهـ. و قد وجدتُ هذه الطريق في أهل طريقنا كما بلغنا أنه اتفق لبعض مشاهيرِ الأولياء من أهل تشيت، فأخذ عن روحانية الشيخ
×
القلندرية
و في ذلك أيضاً ما ذكره في القلندرية من أن مبنى طريقِهم على "حصول طيبة القلب و التقلُّل من الدنيا و ترك الإدخار. و من شأنهم أنهم لا يشتغِلُون بترك الملذوذاتِ من الأطعمة المباحة و لا بالزيادة على الفرائض، إذا حصلتْ لهم" اهـ ما ذكره في القلندرية في "الرحلة" عن شيخه في رسالته المذكورة، و هو ملخص ما في "عوارف المعارف" في وصفهم.
×
الصديقية
و من ذلك أيضاً قوله في الصديقية أنها منسوبةٌ إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. قال: "و قد ذكرها صاحبُ "مفتاح الفلاح"" اهـ كلامه. و هذه الطريق هي طريق الشيخ أبي بكر بن هواري، كما ذكره ابن باديس في "سينيتـ" ـه رحمه الله تعالى بقوله:
«و لابن هواري في المقامات رُتبةٌ»
إلى آخر الأبياتِ الخمسة. راجع "السينيَّة" و شروحَها.
الملامتية
و من ذلك قوله في الملامتية: "إن مبنى طريقهم على الخروج من رعوناتِ النفوس و تطهيرها من جناية العجبِ و الرياء و حبِّ الجاه و الرياسة، و إسقاط المنزلة من قلوب الناس بأمور ينكرها العوام" اهـ. و قد علمت ما اصطلح عليه الشيخ محيي الدين في الملامتية من كونهم على طوائف أهل الطريق، فاشددْ عليه يدَك و لا يخدش لك في وجهه ما في "عوارف المعارف" و غيره مما يخالفه، فإن منشأ الإختلاف في ذلك الإختلافُ في الإصطلاح، و معلوم أنه لا مَشَاحةَ فيه فافهم، و الله سبحانه و تعالى أعلم.
الكبروية و الهمدانية
و من ذلك قوله في الكبروية إنها منسوبة للشيخ نجم الدين الكبرى قال: "و الهمدانية شعبةٌ منها، إلا أن أهلها يختارون الإسرارَ بالذكر مطلقاً، إلا بعد فريضة الصبح". قال: "و قد ذكر المنلاجامي أن الشيخ علي الهمداني ساح الربع المعمورَ و صحِبَ ألفاً و أربعمائة وليٍّ، أخذ عن كل واحد ذكراً وجد ذلك الشيخ ثمرتَه فجَمَعها. ثم لما زارَ النبيَّ
×
الركينة و النورية
و ذكر أيضاً في الركينة نسبةً إلى الشيخ ركن الدين السمناني(1) أنها شعبة من التي قبلها يعني الهمدانية. و النورية نسبة إلى الشيخ نور الدين الإسفرايني شعبة من التي قبلها أيضاً كذلك.
انظر الجواهر المضية : 2/21، ونكت الهيمان : 237.
الخلوتية
ثم ذكر الخلوتية، و أن مبنى طريقهم على الذكر بالكملة الطيبة بكيفيةٍ مخصوصةٍ، ثم ذكر الجلالة، ثم ذكر الأسماء العشرة على الترتيب: هو حقٌّ حيٌّ قهار وهَّاب فتَّاح واحد أحد صمد قيوم، وتنتهي إلى الشيخ قطب الدين أحمد بن محمد الأبهري" اهـ كلامه.
و هذه الطريقة هي التي سلك عليها شيخنا
المولوية-الجهرية
ثم ذكر (المولوية) و قال: "إنها تنسَبُ إلى المولى جلال الدين الدوسي". و الجهرية قال: "و مبناها على الجهْرِ بالذكر، و تنتهي إلى الخواجة أحمد السيوري"، قال: "و هي عن سيدنا الخضر
البرهانية
(و البرهانية) نسبة إلى الشيخ برهان، قال: "من شأن أهلها الجهْرُ بالذكر و لبس الزيِّ و هو الأخضر". ×
المشارعة
(و المشارعة) و مبناها على الجهْرِ بالذكر، و من شأنهم السماع بشروطه و مطالعة كتب القوم و قراءتها و لبس الزي للدروزة، و هو الوقوف على الناس للسؤالِ و نسبتهم إلى الشيخ أحمد بن موسى المشرع اليمني. ×
القادرية و الحاتمية
(و القادرية و الحاتمية) منسوبتان إلى الشيخين الجليلين الحاتمي و الجيلاني و التي بعد الثانية شعبة منها. ×
الحلاجية و الجنيدية و السهلية
(و الحلاجية) معروفة، و كذا (الجنيدية) (و السهلية) إلى سهل بن عبدِ الله." اهـ الغرض مما لخصه الشيخ أبو سالم رحمه الله تعالى من رسالة شيخه المذكور. و ليراجع "الرحلةَ" من أراد الوقوفَ على ذلك بتمامه.
تتمة نافعة
تكون إن شاء الله تعالى لما حمنا حوله في هذا المطلب كالفذلكة(1) الجامعة.
وقد عرفت من جميع ما ذكرناه في هذا المطلب أن الولاية أمر خارج عن دائرة العقل والتخمين، وأن الأولياء تخفى حقائقهم، وما امتازوا به من العلم بالله في بواطنهم، على بعضهم بعضاً فضلاً عن غيرهم. فلهذا كان لا يصلُ إليهم إلا من جذبته جواذبُ العناية الإلهية، وقادته نحوهم أزمةُ الخصوصية الربانية، لأن الوليَّ إذا كان لا يعرف حقيقة وليٍّ مثله فكيف يعثُر عليها من ليس له قِدَم فيها، مع كونه لا يرى إلا إنساناً مثله يأكلُ كما يأكل، ويشرب كما يشرب، ويجري عليه جميع الأعراض التي تجري عليه، هذا مما لا سبيل إليه. وإلى هذا أشار التاج بن عطاء الله بقوله في
قال ابن عبادرحمه الله تعالى: "ولما كان الوصولُ إلى الله تعالى لا يكون إلا بالعناية والخصوصية، ويستحيل أن يكون بطلبٍ أو سبب كان أولياؤه المخصوصون بالقرب منه كذلك، لما خلع عليهم الخِلعَ العظيمة، وتولاَّهم بمننه الجسيمة واصطفاهم لنفسه واختصَّهم لمحبته وأنسه وطهَّر أسرارهم من أنجاس الأغيار، وصان قلوبَهم بما أودع فيها من الأنوار، فكانوا لذلك ضنائنه في عباده وخباياه في بلاده، كما قال في بعض الإشارات عنه سبحانه وتعالى: "أوليائي تحت فنائي لا يعرفُهم أحدٌ غيري"، وهذا من غيرته عليهم، لأن الحق تعالى غيورٌ على أوليائه من أن يظهرهم إلى مَنْ لا يعرفهم، فلم يجعل لأحدٍ دليلاً عليهم إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَنْ أرادَ أن يوصِلَه إليه لأنه يلبسهم لباس التلبيس بين الأنام ويظهرهم بما يحقِّرهم في أعين الخواصِّ والعوام، فلا يكون لأحد دليلٌ عليهم أو وصولٌ بسبب إليهم" اهـ.
ونقل عن التاج أيضاً أنه رحمه الله تعالى قال في "لطائف المنن":"وسمعه، يعني شيخه الشيخ أبا العباس المرسي(2) رضي الله تعالى عنه، يقول: "معرفةُ الولي أصعبُ من معرفة الله، فإن الله تعالى معروف بكماله وجماله وحتى متى تعرف مخلوقاً مثلك يأكل كما تأكل ويشرب كما تشرب". قال: "وإذا أرادَ الله أن يعرفكَ بوليٍّ من أوليائه طَوَى عنك وجودَ بشريته، وأشهدك وجودَ خصوصيته" اهـ.
وذلك لأن الوليَّ لا يلزم من ثبوتِ خصوصيته انعدام بشريته. وبيانه أن الخصوصية هي ما يخصُّ الله تعالى به عبدَه من أوصافه العلية ونعوته القدسية، ليغطي بذلك أوصافَ نفسِه البشرية، ويوصله إلى حضرة معارفه السنية. وهذا السترُ واردٌ من الله تعالى على العبد من عين الجود والمِنَّة، وليس بذاتي له. وأما البشرية فهي الأوصاف الذاتية للعبدِ والأمر الذاتي يستحيلُ انعدامه، وإنما اللازمُ من ذلك السترِ عدمُ غلبة ذلك الوصف على العبد بحكم الوارد الموجب لتعطيل أحكامه، لا لانقلابه وانعدامه.فإذا قدر ذهاب هذا الوارد الغالب بقي الوصفُ البشري الذاتي غالباً قاهراً. فمن أراد الله تعالى أن يوصله إلى أحدٍ من أهل ولايته أيَّده بأنوارِ عنايته، فطوى عنه أوصافَ بشريةِ ذلك الولي الذاتية، وأشهدَه تلك الخصوصية الواردةَ عليه من آثار النعوت الأسمائية والصفاتية. ومن لم يردِ الله به ذلك عَمِيَتْ عليه في تلك الخصوصية الأنباءُ، وانطمستْ بينه وبينها المسالك، فافْهم.
وههنا دقيقة: وهي أن كلَّ قاصدٍ إلى الولي من المريدين لا يرى إلا ما هو متلبّسٌ به في باطنه، لما ذكره صاحب "الذهب الإبريز" عن شيخه القطب سيدي عبد العزيز
وقد قال سيدنا الشيخ
(2) أحمد بن عمر المرسي، أبو العباس، شهاب الدين، فقيه متصوف، من أهل الإسكندرية، لأهلها فيه اعتقاد كبير إلى اليوم، أصله من مرسية في الأندلس، مات سنة (686 هـ).
انظر "النجوم الزاهرة": 7/371.

